د عمر عطا المنان يكتب: سقوط مسعد بولس في “المستنقع”: عندما تبتلع الأجندة الإماراتية دور الوسيط

بقلم: د. عمر عطا المنان
في خضمّ الأزمة السودانية المعقدة وتصاعد حدة التجاذبات الإقليمية، برز اسم مسعد بولس—مستشار الرئيس الأمريكي لأفريقيا والشرق الأوسط—كأحد الوجوه التي حاولت تسويق نفسها كفاعل أو وسيط في الملف. غير أن المسار الذي اتخذه بولس مؤخراً أثار عاصفة من التساؤلات حول استقلاليته وحياده، بل دفع مراقبين للجزم بأنه سقط في ما يمكن وصفه بـ “مستنقع الأجندة الإماراتية”، نتيجة تقاطعات فاضحة بين تحركاته ومصالح أبوظبي الجيوسياسية.صدى الخطاب الإماراتي
أولى الدلائل الصارخة على هذا الانحراف تكمن في “اللغة”؛ إذ بات بولس يردد بشكل آلي شعارات وعبارات تتطابق حرفياً مع الماكينة الإعلامية الإماراتية. فبدلاً من صياغة رؤية متوازنة تحترم تعقيدات الداخل السوداني، بدء وكأنه “مفوض” يعيد إنتاج السردية الإماراتية حول أطراف الصراع ومسارات الحل، مما جرده من كينونته كطرف مستقل ومنحه صبغة التبعية.شبهات الارتهان المالي
لا يمكن قراءة هذا الاندفاع نحو المحور الإماراتي بمعزل عن التقارير والاتهامات التي تلاحق بولس في الأوساط السياسية بشأن تلقي دعم مالي أو “رشاوى” سياسية من جهات في أبوظبي. ورغم محاولات النفي، فإن التزامن بين هذه التسريبات وبين استماتته في الدفاع عن الدور الإماراتي، قوض تماماً صورته كطرف يمكن الوثوق به لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء، وحوّله في نظر الكثيرين إلى أداة لتنفيذ أجندات ممولة.تغليب “المكان” على “القضية”
من المثير للتأمل أن حضور بولس في العاصمة الإماراتية ولقاءاته المكثفة مع قادتها بات يفوق تواجده في الخرطوم أو أي عاصمة عربية أخرى معنية بالأزمة. هذا التواجد المكثف عزز الانطباع بأنه يعمل من داخل “الغرف المغلقة” في دبي وأبوظبي، منفذاً لسياسات المحور وليس باحثاً عن حلول وطنية سودانية، مما حوله من مستشار رئاسي دولي إلى “ملحق سياسي” يعمل لصالح أجندة إقليمية محددة.
انتقائية الأجندة والبحث عن “الرباعية”
تتجلى تبعية بولس في تركيزه الانتقائي على الملفات التي تهم الإمارات حصراً، وهو ما يفسر اهتمامه الزائد بالقضية السودانية لكونها تمثل عمقاً استراتيجياً ومصيراً حيوياً لأبوظبي. وفي محاولة مستميتة للالتفاف على الواقع، يسعى بولس لإعادة إحياء “اللجنة الرباعية”، رغم أن المبادرة (السعودية-الأمريكية-المصرية) قد تجاوزت هذا الإطار عملياً، وفرضت مساراً أكثر جدية وواقعية للحل؛ وكل ذلك في سبيل استعادة “مقعد مفقود” للإمارات في صناعة القرار السوداني عبر بوابة بولس.
وزن سياسي مفقود وارتهان انتخابي
الجدير بالذكر هو أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تمنح بولس وزناً سياسياً حقيقياً في دوائر صنع القرار؛ بل تنظر إليه كشخصية كوفئت بهذا المنصب مقابل دعمها لحملة ترامب الانتخابية. فهو يفتقر إلى الخبرة العملية والوزن الدبلوماسي العريق، ويبقى في نهاية المطاف “مستشاراً” تنحصر صلاحياته في تقديم المشورة التي قد لا تجد آذانًا صاغية في المؤسسات الأمريكية العميقة (Deep State).
خاتمة: مصير “فولكر” ينتظر بولس
لقد فقد مسعد بولس، في نظر الشارع السوداني والمراقبين، “منطق الحياد”؛ فمواقفه لم تعد وجهة نظر، بل انحيازاً صريحاً للأطراف التي تحظى بالدعم العسكري والسياسي من أبوظبي. وإذا استمر بولس في نهجه هذا، فمن المرجح أن يواجه مزيداً من التجاهل من الإدارة الأمريكية، أو ينتهي به المطاف إلى مصير يشبه مصير “فولكر بيرتس” من قبله، ليصبح مجرد ذكرى لشخصية فشلت في قراءة الواقع وسقطت في فخ الحسابات الإقليمية الضيقة





