فخري فركاوي يكتب: لا تتركوا السودان للشباب… ابنوه معهم

بقلم: فخري فركاوي
في كل مناسبة تتناول قضايا الشباب تتردد عبارات مألوفة من قبيل: الشباب هم المستقبل، والشباب عماد الأمة ، والشباب صناع الغد . ورغم صحة هذه العبارات، إلا أنها تفقد قيمتها عندما تبقى حبيسة المنابر والخطب، بينما يظل الشباب بعيدين عن مواقع التأثير وصناعة القرار.
وجاء انعقاد المؤتمر الشبابي القومي الثاني بولاية كسلا تحت شعار شباب الأمل.. سواعد بناء وعقول نماء ليعيد طرح سؤال جوهري ظل يرافق مسيرة العمل الشبابي في السودان لسنوات طويلة: هل نريد للشباب أن يكونوا شركاء حقيقيين في بناء الوطن، أم مجرد جمهور نستدعيه في المناسبات ثم نعيده إلى مقاعد الانتظار؟
إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الدول هو أن تنظر إلى الشباب باعتبارهم مشروعاً للمستقبل فقط، بينما تتجاهل دورهم في الحاضر. فالأمم التي صنعت نهضتها لم تنتظر أبناءها حتى يكبروا، بل دفعت بهم إلى ميادين العمل والإنتاج والمسؤولية، ومنحتهم الفرصة ليتعلموا بالممارسة ويكتسبوا الخبرة بالمشاركة.
وفي السودان، ورغم أن الشباب يشكلون النسبة الأكبر من السكان، فإن حضورهم في مراكز اتخاذ القرار ما زال أقل بكثير من حجم طاقاتهم وقدراتهم. آلاف الشباب يمتلكون الأفكار والمبادرات والطموحات، لكنهم يصطدمون بواقع محدود الفرص، وضعف التمويل، وغياب البرامج التي تحول الحماس إلى إنجاز والإبداع إلى مشاريع منتجة.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الثروة الحقيقية ليست فيما تختزنه الأرض من موارد، بل فيما تحمله العقول من معرفة، وما تمتلكه السواعد من قدرة على العمل. ولهذا لم تنهض الدول التي خرجت من الحروب والأزمات بالصدفة، وإنما عبر الاستثمار الواعي في الإنسان، وإعطاء الشباب المساحة الكافية للمشاركة في صنع القرار ورسم السياسات وقيادة مشروعات التنمية.
واليوم، بينما تستضيف ولاية كسلا هذا الحدث القومي الكبير، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه بقوة هو: ماذا قدمت الولاية لشبابها قبل المؤتمر؟ وماذا ستقدم لهم بعد أن تنطفئ أضواء المنصة وتغادر الوفود المشاركة؟
لقد قدمت كسلا خلال السنوات الماضية نماذج مشرقة في مجالات العمل الطوعي والمبادرات المجتمعية والأنشطة الرياضية والثقافية، وأثبت شبابها حضوراً لافتاً في كثير من الميادين رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. غير أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من دائرة الأنشطة إلى دائرة التنمية، ومن الاحتفاء بالشباب إلى الاستثمار الحقيقي فيهم.
إن استضافة المؤتمر تمثل فرصة تاريخية أمام حكومة الولاية لتقديم رؤية جديدة تجعل من الشباب محوراً أساسياً في خطط التنمية والإعمار. فالشباب لا ينتظرون مؤتمراً جديداً بقدر ما ينتظرون فرصاً جديدة. ولا يبحثون عن المزيد من الكلمات، بل عن المزيد من المشاريع.
فهل ستشهد كسلا إنشاء مراكز متخصصة للتدريب المهني والتقني تستوعب آلاف الشباب وتؤهلهم لسوق العمل؟ وهل ستطلق برامج حقيقية لتمويل المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال؟ وهل ستمنح الأولوية للشباب في المشروعات الزراعية والإنتاجية والاستثمارية التي تتميز بها الولاية؟ وهل ستفتح أمامهم أبواب الابتكار والتكنولوجيا والاقتصاد الحديث؟
إن ولاية كسلا تمتلك من المقومات ما يجعلها واحدة من أكثر ولايات السودان قدرة على صناعة مستقبل مختلف لشبابها. فهي ولاية زراعية غنية، ومركز تجاري مهم، وتمتلك إمكانات سياحية كبيرة، وموقعاً استراتيجياً يجعلها بوابة اقتصادية مهمة للبلاد. وهذه الميزات لا ينبغي أن تبقى أرقاماً في التقارير، بل يجب أن تتحول إلى فرص عمل ومشروعات إنتاج ومراكز تدريب ومجالات استثمار يستفيد منها الشباب بصورة مباشرة.
ومن هنا فإن نجاح المؤتمر لن يقاس بعدد الجلسات التي انعقدت، ولا بعدد التوصيات التي كُتبت، بل بما سينتج عنه من سياسات وبرامج ومشروعات ملموسة يشعر بها الشباب في المدن والقرى والأحياء.
إن أفضل ما يمكن أن تقدمه ولاية كسلا لشبابها بعد هذا المؤتمر هو إطلاق حزمة من المشروعات الاستراتيجية في مجالات التدريب والتشغيل والتمويل والإنتاج والرياضة والثقافة والابتكار، وربط الشباب بخطط التنمية في الولاية باعتبارهم شركاء في التنفيذ لا مجرد مستفيدين من النتائج.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، بل تمتد إلى القطاع الخاص والمؤسسات المصرفية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والإدارات الأهلية، فبناء جيل قادر على قيادة المستقبل مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل.
وفي المقابل، فإن على الشباب أنفسهم أن يدركوا أن المشاركة ليست حقاً فقط، بل مسؤولية أيضاً. فالأوطان لا تبنى بالانتظار ولا بالشكوى ولا بالاكتفاء بالنقد، وإنما تبنى بالمبادرة والعمل والإنتاج والإيمان بالقدرة على التغيير.
إن السودان يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية من تاريخه، مرحلة تحتاج إلى كل طاقة مخلصة وكل عقل مبدع وكل سواعد قادرة على البناء. ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا ظل الشباب على هامشه.
ولهذا فإن الرسالة التي يجب أن تخرج من مؤتمر كسلا ومن كل منصة وطنية هي أن الشباب ليسوا مجرد مستقبل السودان، بل هم جزء أصيل من حاضره، وأن الوطن الذي نحلم به لن تصنعه فئة واحدة ولا جيل واحد، بل تصنعه شراكة وطنية واسعة يكون الشباب في قلبها.
فلا تبنوا السودان للشباب…
ابنوه معهم.عندها فقط ستتحول المؤتمرات إلى إنجازات، والتوصيات إلى مشاريع، والأحلام إلى واقع يراه الناس في حياتهم اليومية، ويشعرون به في مدارسهم ومزارعهم ومؤسساتهم وأسواقهم.وعندها فقط سيصبح الشباب كما ينبغي أن يكونوا: قوة للبناء، وروحاً للتجديد، وقادة لمستقبل السودان





