التحقيق الأول: لمنصة الاستثمار ب كسلا.. ستة مشروعات بين طموح التنمية واختبار التنفيذ

كسلا – تحقيق منال عبد الرحمن
كسلا تقدم منصة استثمارية أعدها عدد من السودانيين المقيمين في دولة قطر نفسها باعتبارها محاولة لجمع الخبرات السودانية وربطها بالمشروعات والفرص الاستثمارية في ولاية كسلا، في وقت تبحث فيه الولاية عن أدوات جديدة لتحريك اقتصادها المتأثر بالحرب وتوسيع قاعدة الاستثمار.
المنصة، التي قُدمت إلى حكومة الولاية خلال زيارة الوفد السوداني–القطري، تضم ستة مشروعات تنموية استراتيجية، إلى جانب دراسات وبيانات وبيوت خبرة، وتسعى إلى تسويق المشروعات وربطها بالمستثمرين ومصادر التمويل.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه منذ البداية هو:
هل تستطيع المنصة نقل الاستثمار في كسلا من مرحلة عرض الفرص إلى مرحلة تنفيذ المشروعات؟
ستة مشروعات.. ورؤية أوسع
تشمل المشروعات المطروحة مشروع الميكنة والخدمات الزراعية، وتطوير القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، وتمويل وتمكين الشباب، وتنمية السياحة البيئية والثقافية، والنافذة الواحدة لخدمات المستثمر، وصناعة الطوب الهيدروفورم لدعم البناء والتعمير.
ويقول الدكتور جمال قسم محمد عبدالله إن المنصة تهدف إلى جمع الخبرات السودانية والاستفادة منها لخدمة الوطن، مشيراً إلى أنها تضم بيوت خبرة ودراسات مالية، وتسعى إلى أن تكون قناة تجمع المشروعات وأصحاب الأعمال والشباب ومصادر التمويل.
كما قُدمت المنصة إلى الولاية باعتبارها مبادرة حرة وهدية من أبناء السودان، مع اتجاه لتمكين مفوضية الاستثمار والسياحة منها لتعميم الاستفادة منها على مستوى الولاية.
منصة إرشادية وليست حلاً جاهزاً
لكن أصحاب المبادرة أنفسهم يوضحون أن المنصة ليست حلاً نهائياً لكل المشكلات، وإنما كيان إطاري مرن يقدم نماذج وأطر عمل قابلة للتعديل.
وهنا تظهر أهمية هذه النقطة؛ فالمنصة يمكن أن تكون أداة لتسويق الاستثمار، لكنها لا تستطيع وحدها توفير التمويل أو الكهرباء أو الأمن أو البنية التحتية.
وهذه العوامل تحديداً هي التي تحدد قدرة المستثمر على الانتقال من دراسة الجدوى إلى التنفيذ.
وزير المالية موسي اوشيك: الدراسات لا تتماشى مع الواقع
ورغم الترحيب بالفكرة، طرح وزير ا أوشيك ملاحظة جوهرية، عندما أشار إلى أن معظم الدراسات لا تتماشى مع الوضع الراهن في الولاية.
الملاحظة تبدو بسيطة، لكنها تمس جوهر أي منصة استثمارية.
فالولاية تغيرت بفعل الحرب، وتغيرت معها تكلفة النقل والطاقة والإنتاج والتمويل، كما تغيرت احتياجات السوق وأولويات الحكومة.
وبالتالي، فإن السؤال ليس فقط: كم مشروعاً تمتلك المنصة؟
بل:
كم من هذه المشروعات ما زال صالحاً اقتصادياً في الظروف الحالية؟
وهل جرى تحديث دراسات الجدوى وفق أسعار اليوم، وتكلفة التشغيل، ومخاطر الاستثمار، وتوافر الطاقة، والبنية التحتية والأسواق؟
الزراعة.. فرصة ضخمة ومشكلات أكبر
يعرض وزير الإنتاج والموارد الاقتصادية الدكتور خضر رمضان: صورة تكشف حجم الفرص الزراعية في الولاية.
فمشروع حلفا الجديدة الزراعي تبلغ مساحته، وفق إفادته، نحو 500 ألف فدان، بينما تبلغ المساحة المزروعة نحو 300 ألف فدان.
أما مشروع القاش الزراعي فتبلغ مساحته نحو 300 ألف فدان، في حين لا تتجاوز المساحة المزروعة، بحسب الأرقام التي طرحها الوزير، 2,300 فدان.
الفجوة بين المساحة المتاحة والمساحة المستغلة تضع أمام المستثمر فرصة، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن مشكلات تحتاج إلى حلول قبل جذب استثمارات جديدة.
فالولاية فقدت عدداً من الآليات الزراعية خلال الحرب، كما يمثل قطاع الكهرباء تحدياً كبيراً أمام الإنتاج الزراعي.
الثروة الحيوانية خارج المنصة
ومن الملاحظات التي طرحها وزير الإنتاج أن المنصة لم تتضمن قطاع الثروة الحيوانية، رغم ما وصفه بضخامة الثروة الحيوانية في الولاية.
وهنا تبرز قضية مهمة في الخارطة الاستثمارية:
هل تعكس المنصة فعلاً كل الموارد الاقتصادية في كسلا، أم أنها ما تزال بحاجة إلى توسيع وتحديث؟
فالاستثمار في الثروة الحيوانية لا يعني تربية المواشي فقط، وإنما يشمل الأعلاف، والمسالخ، والتبريد، والجلود، والألبان، والتصنيع الغذائي وسلاسل التسويق.
السياحة والصناعة.. فرص تنتظر المستثمر
في المقابل، تبرز قطاعات أخرى داخل الخارطة، من بينها السياحة والسياحة البيئية والصناعة.
وأشار مفوض الاستثمار الدكتور عبد المنعم إدريس إلى مقومات سياحية تشمل حديقة السلام والمتحف والفنادق والحافلات السياحية.
كما عرض ممثل شركة ذات العماد تجربة استثمارية في مجال الحديد، إلى جانب التوجه إلى البيوت المحمية لإنتاج الخضروات.
وتكشف هذه النماذج أن البيئة الاستثمارية ليست خالية من التجارب، لكن التحدي هو توسيع هذه التجارب وتحويلها إلى منظومة اقتصادية متكاملة.
الخلاصة
المنصة تقدم فكرة مهمة: جمع المعلومات والخبرات والمشروعات في نافذة واحدة.
لكنها أمام اختبار حقيقي.
هل تصبح نافذة للمستثمر، أم مجرد نافذة للمعلومات؟
الإجابة ستتحدد عندما يتحول أحد المشروعات الستة من دراسة على المنصة إلى مشروع يعمل على أرض كسلا، ويوفر وظيفة، وينتج سلعة، ويدخل أموالاً إلى اقتصاد الولاية.
التحقيق الثاني: أزمة المياه
مياه كسلا.. حين يصبح الحل الجذري أكبر من مجرد مشروع
كسلا – تحقيق
في كسلا، لا تبدو أزمة المياه مجرد مشكلة في وصول المياه إلى المنازل، وإنما قضية ترتبط بالصحة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي والحياة اليومية للمواطن.
وفي وقت تتطلع فيه الولاية إلى تعاون قطري لمعالجة ملف المياه، يأتي الوفد السوداني–القطري حاملاً معه حديثاً عن حلول جذرية ومستدامة.
ووصف والي كسلا اللواء ركن (م) الصادق الأزرق مساهمات دولة قطر بأنها قيمة ومؤثرة، مرحباً بالوفد باسم حكومة الولاية وغرف الصناعات والمستثمرين.
وأكد أن الجانب السوداني القطري يتصدى لمشكلة المياه من خلال حلول جذرية ومستدامة.
لكن خلف هذا الترحيب يظل السؤال الأهم:
ما المقصود بالحل الجذري؟
هل يتعلق الأمر بمصادر المياه؟
أم بمحطات التنقية؟
أم بشبكات التوزيع؟
أم بالطاقة التي تحتاج إليها محطات المياه؟
أم أن المطلوب مشروع متكامل يبدأ من المصدر وينتهي عند منزل المواطن؟
فالحديث عن «الحل الجذري» يحتاج إلى تفاصيل أكثر من مجرد الإعلان عنه.
المواطن يريد المياه لا التصريحات
بالنسبة للمواطن، لا تقاس الشراكة بعدد الوفود التي تزور الولاية، ولا بعدد الاجتماعات، وإنما بانتظام المياه وانخفاض تكلفة الحصول عليها.
مواطن من أحد أحياء كسلا يقول:
«نحن لا نريد حلولاً مؤقتة. نريد أن نعرف متى تصبح المياه مستقرة في منازلنا، لأن شراء المياه يمثل عبئاً إضافياً على الأسرة.»
وتقول ربة منزل:
«عندما تنقطع المياه تتعطل تفاصيل الحياة اليومية. نأمل أن تكون المشروعات الجديدة حلاً مستداماً يصل إلى الأحياء، وليس مجرد مشروع لفترة محدودة.»
أما أحد المواطنين في منطقة طرفية فيقول:
«نسمع عن المشروعات والوفود، لكن المهم بالنسبة لنا أن تصل المياه إلى مناطقنا. نريد أن نرى نتيجة على الأرض.»
هذه الشهادات ينبغي استبدالها بشهادات ميدانية حقيقية بأسماء أصحابها قبل النشر.
لماذا تحتاج المياه إلى حل متكامل؟
أزمة المياه لا يمكن فصلها عن بقية القطاعات.
فحتى إذا توفرت مصادر المياه، فإن استمرار الخدمة يحتاج إلى محطات تعمل بكفاءة، وشبكات سليمة، وطاقة كهربائية مستقرة، وقطع غيار وصيانة وتمويل.
وهنا تلتقي أزمة المياه مع المشكلة التي تحدث عنها وزير الإنتاج والموارد الاقتصادية بشأن تحديات الكهرباء.
فالمياه والكهرباء في كثير من الأحيان ملفان متلازمان.
من المساعدات إلى التنمية
أهمية التعاون القطري تكمن في إمكانية الانتقال من المعالجة الإسعافية إلى مشروعات بنية تحتية مستدامة.
وهذا هو جوهر حديث الوالي عن الحلول الجذرية.
لكن نجاح أي مشروع يحتاج إ
وهل يشمل المشروع معالجة الشبكات أم إنتاج المياه فقط؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل فنية، وإنما هي التي تحدد ما إذا كان المشروع حلاً مستداماً أم تدخلاً مؤقتاً.
المياه والاستثمار.. علاقة متبادلة
المفارقة أن ملف المياه لا يرتبط بالمواطن وحده.
فالمستثمر نفسه يحتاج إلى المياه.
المصانع تحتاج إلى المياه، والزراعة تحتاج إليها، والسياحة تحتاج إليها، والمستشفيات تحتاج إليها.
وبالتالي فإن تحسين قطاع المياه يمكن أن يصبح جزءاً من تهيئة البيئة الاستثمارية نفسها.
وهنا يمكن أن تتحول الشراكة القطرية من مجرد دعم لقطاع خدمي إلى عنصر في إعادة بناء الاقتصاد المحلي.
الخاتمة
كسلا لا تحتاج إلى مشروع مياه جديد فحسب، وإنما إلى منظومة مياه تستطيع الاستمرار.
والحل الجذري الذي تحدث عنه والي الولاية والوفد القطري سيظل بحاجة إلى إجابة عملية عن سؤال المواطن:
متى ستصل المياه بصورة منتظمة إلى منزلي؟
فإذا نجحت الشراكة في الإجابة عن هذا السؤال، ستكون الزيارة قد تجاوزت حدود البروتوكول إلى التنمية.
أما إذا بقيت الحلول في حدود الدراسات والتصريحات، فستظل أزمة المياه تنتظر مشروعاً آخر ووفداً آخر ووعوداً جديدة.
في النهاية، لا يختبر المواطن مشروع المياه على الورق؛ يختبره عند الصنبور.
كسلا: عدد المحطات، الإنتاج اليومي، العجز، الأحياء الأكثر تضرراً، تكلفة جركانة المياه، ونسبة التغطية، ثم مقابلة مدير مياه الشرب ومواطنين من أحياء مختلفة.





