منوعات

سودانا البنريدو».. قصيدة تُشعل وجدان الوطن وتحصد المركز الأول لشاعر كسلا عمر خاطر

كسلا – انتصار تقلاوي
من قلب كسلا، جاء صوت شعري يلامس واحدة من أكثر قضايا السودان إيلاماً في ظل حرب الكرامة؛ قضية الوطن الذي دفع أبناؤه ثمناً باهظاً للحرب، ثم اكتشف كثيرون منهم، في لحظة النزوح والاغتراب، أن الإنسان قد يبتعد عن وطنه، لكنه لا يستطيع أن يجد وطناً بديلاً عن وطنه الأول.
بهذه الروح، حصد شاعر كسلا الأستاذ عمر خاطر، مراسل تلفزيون السودان بكسلا سابقاً، المركز الأول في مسابقة «قصائد للوطن» التي نظمها اتحاد الأدباء والكتاب بولاية كسلا، عن قصيدته العامية «سودانا البنريدو»، في نص حمل السودان من شرقه إلى غربه، واستدعى ذاكرة الوطن وتنوعه وأوجاعه وأحلامه، بلغة شعبية نابضة بالإيقاع والانتماء.
ولم تأتِ القصيدة منفصلة عن واقع السودان الراهن، بل بدت وكأنها تكتب وجع المرحلة بلسان المواطن السوداني؛ ذلك المواطن الذي عاش مرارة الحرب، وذاق قسوة النزوح، وابتعد قسراً عن الديار، قبل أن تؤكد الأيام أن لا وطن للسوداني مثل وطنه، ولا أرض تمنحه الإحساس نفسه بالانتماء والأمان والهوية.
ومن هنا تكتسب القصيدة أهميتها؛ فهي لا تتحدث عن وطن مثالي بعيد عن الواقع، وإنما عن السودان الذي يعيش حرباً وانقساماً ونزوحاً، ومع ذلك ظل في وجدان أبنائه وطناً واحداً لا يمكن أن تطفئ ناره سنوات الحرب.
وجاءت المسابقة عبر مسارين؛ الشعر الفصيح والشعر العامي، ليعتلي خاطر صدارة المسار العامي بقصيدة اختار لها عنواناً بسيطاً في لفظه، عميقاً في دلالته: «سودانا البنريدو».
ويقول في مطلعها:

««سودانا البنريدو
ونهني بعيد
يتعالى ويتجلّى
ويا ربنا تزيد»»
ومنذ المطلع، يضع الشاعر يده على جوهر رسالته: السودان الذي لا يُستعاد إلا بالمحبة، ولا يُبنى إلا بسواعد أبنائه.
السودان في زمن الحرب.. وطن يسع الجميع
في مشهد شعري يختصر جغرافيا الحرب والإنسان، يستحضر خاطر مناطق مختلفة من البلاد، مخاطباً السوداني في أقصى أطراف الوطن:
««أخونا الهناك تعبان
في كاودا أو جيسان
أو فاشر السلطان
قومك سوا نعيدو
لدارو والأوطان
ونعمّر السودان
إيدنا في إيدو»»
وهنا تتجاوز القصيدة حدود الشعر إلى رسالة وطنية واضحة في زمن الحرب؛ فالمخاطَب ليس مجرد شخص بعيد في منطقة جغرافية أخرى، وإنما سوداني فرّ من نار الحرب، وظل الوطن يناديه بالعودة.
وتبدو هذه الصورة الشعرية أكثر التصاقاً بالواقع اليوم، مع تدفق العودة الطوعية للسودانيين الذين غادروا ديارهم هرباً من ويلات الحرب، بعدما أدرك كثيرون أن البعد عن الوطن، مهما طال، لا يلغي حقيقة الانتماء إليه، وأن السودان يظل البيت الذي يعود إليه أبناؤه متى سنحت لهم الفرصة.
فالعودة في جوهرها عودة إلى الجذور والهوية والذاكرة والوطن، وهي المعنى الذي يلتقي بوضوح مع دعوة عمر خاطر إلى أن «نعيدو لدارو والأوطان، ونعمّر السودان».
التنوع.. قوة لا ساحة صراع
ولا تقف القصيدة عند حدود الجغرافيا، بل تنفذ إلى عمق التنوع السوداني، مؤكدة أن اختلاف الأديان والقبائل والثقافات يمكن أن يكون مصدر قوة ووحدة، لا سبباً للفرقة:
««سودان أحلى وطن
في حضن ضمانة
بكل قبائلنا
وحّدنا ولمّانا
مصحفنا والإنجيل
عربان ربطانا»»
وفي هذه الأبيات، يقدّم الشاعر صورة للسودان الذي يعرفه أبناؤه في وجدانهم؛ سودان متعدد الأعراق والثقافات والمعتقدات، لكنه قادر على أن يجتمع تحت مظلة وطن واحد.
وهذه الرسالة تكتسب أهمية مضاعفة في ظل الحرب، حين يصبح خطاب الوحدة والتعايش ضرورة تتجاوز جماليات الشعر إلى حاجة وطنية ملحّة.
وطنٌ أعطى كثيراً.. فكيف نرد له الجميل؟
ويمنح الشاعر عمر خاطر الوطن في مقاطع أخرى صفات الإنسان؛ وطنٌ أعطى أبناءه ولم يبخل، واحتمل جحودهم ولم يعادهم، قبل أن يطرح سؤالاً موجعاً:
««ليه بس نجازيه
بالطعن ودانا؟»»
سؤال تختصر فيه القصيدة جانباً كبيراً من وجع السودان؛ وطنٌ احتضن أبناءه، ثم وجد نفسه ممزقاً بالحرب والخصومات، بينما ظل السؤال الأكبر قائماً: كيف يمكن أن نرد للوطن جميله؟
ويأتي جواب القصيدة واضحاً: بالعودة، وبالحوار، وبالمحبة، وبإعادة الإعمار، وبأن يضع السوداني يده في يد أخيه.
من النزوح إلى العودة.. السودان يستعيد أبناءه
ولعل أكثر ما يمنح «سودانا البنريدو» راهنيتها أنها تتقاطع مع مشهد سوداني يتشكل أمام أعين الجميع؛ مشهد السودانيين الذين فرّوا من الحرب، ثم بدأوا يعودون إلى مدنهم وقراهم كلما تهيأت الظروف.
لقد كشفت تجربة الحرب، رغم قسوتها، حقيقة راسخة: أن الوطن لا يُستبدل.
فقد يجد الإنسان مأوى خارج بلده، وقد يعيش فترة في مكان أكثر أمناً، لكنه يظل يحمل وطنه في ذاكرته ولهجته وأغنياته وعلاقاته وذكرياته. وعندما تتاح له فرصة العودة، يعود حاملاً معه إدراكاً أعمق لقيمة الأرض التي تركها خلفه.
ومن هذه الزاوية، تبدو قصيدة عمر خاطر وكأنها تلتقط لحظة سودانية تاريخية: لحظة اكتشاف السودانيين، وسط المحنة، أن اختلافاتهم مهما اتسعت لا تلغي حقيقة أنهم أبناء وطن واحد، وأن إعادة بناء السودان تبدأ قبل الحجر والطرق والمباني، بإعادة بناء الثقة بين أبنائه.
الحوار بدلاً عن القطيعة
وفي خاتمة تحمل الرسالة الأوضح للنص، يضع خاطر الحوار في مواجهة القطيعة، والمحبة في مواجهة الانقسام:
««عِقوا بالحوار
وبالحب الناس تتفق
يختلفوا في الرأي
وفي حبّه يتفقوا
ما في نزول منبر
دام الوطن يجمعنا
والحب بيكبر
والسودان يسعنا»»
وهنا تبلغ القصيدة ذروة رسالتها: ليس المطلوب أن يتطابق السودانيون في الرأي، وإنما أن يختلفوا دون أن يفقدوا الوطن.
فالسودان، كما تقول القصيدة، يتسع للاختلاف، ويتسع للتنوع، ويتسع لكل أبنائه، بشرط أن يبقى الوطن هو القاسم المشترك الذي لا يُمس.
وبفوزه بالمركز الأول، لا يضيف عمر خاطر اسماً جديداً إلى المشهد الشعري بولاية كسلا فحسب، وإنما يقدم عبر «سودانا البنريدو» نموذجاً لقصيدة عامية استمدت قوتها من لغة الناس، ولامست واقعهم، وحملت أوجاع الحرب، وفتحت نافذة للأمل.إنها قصيدة عن السودان الذي أوجعته الحرب، وعن أبنائه الذين تفرّقوا في المنافي ومواقع النزوح، ثم أدركوا أن لا وطن يساوي الوطن، ولا أرض تشبه أرضهم، ولا ذاكرة تكتمل بعيداً عن السودان.
ومن هنا تصبح «سودانا البنريدو» أكثر من قصيدة فائزة؛ إنها دعوة لأن يتحول حب الوطن من كلمات تُقال إلى أفعال تُمارس، وأن تصبح العودة بداية جديدة، وأن تتحول اليد التي كانت تحمل متاع الرحيل إلى يد تحمل مع أخيها أدوات البناء.
سودانا البنريدو.. وطنٌ لا يكتمل إلا بأبنائه، ولا ينهض إلا بهم، ويسعهم جميعاً حين يضعون اليد في اليد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى