القدين الفونج.. حراس البوابة الشرقية وسلالة ملوك سنار في جبال التاكا

انتصار تقلاوي – تحقيق تاريخي
تُعد قبيلة القدين الفونج واحدة من الركائز التاريخية الصلبة التي قام عليها استقرار إقليم التاكا “كسلا” وغرب إريتريا. كانت قبيلةً مشهورةً ذات فرسان وصيتٍ وصناديد، ثم على مر الزمان خبا ذكرها مع تقلب الأيام، رغم أنها لم تكن مجرد مكون سكاني، بل كانت دولة مصغرة للفروسية والإدارة الأهلية، تحمل في نسبها إرث بني أمية وفي سيفها إرث سلطنة الفونج “السلطنة الزرقاء”.
أهل دين وخلاوي وفرسان
وما لا يكتمل تاريخ القدين إلا به، أنهم لم يكونوا فرسان سيف فقط، بل أهلُ دينٍ وخلاوي، عُرفوا بتعليم القرآن وحفظه، وبالعلم والعبادة، كما عُرفوا بالفروسية والشجاعة. فالجمع بين الخلوة والسجادة من جهة، والفروسية والدفاع عن الأرض من جهة أخرى، هو سر فهم تاريخ القدين بصورة متكاملة.
بيت الزعامة.. آل محمد نور
وإذا ذُكرت القدين، ذُكر بيت زعامتها التاريخي آل محمد نور. هذا البيت هو من أمسك بخيوط النسيج الاجتماعي في شرق السودان، يعقد التحالفات بين السبدرات والحلنقة والبني عامر والهدندوة، ويحفظ هيبة الدولة عندما تغيب الدولة.
الفارس المؤسس.. أحمد حجاج في مذكرات سودانية رسمية
في ذروة اضطراب القرن التاسع عشر، برز الاسم الأكبر في تاريخ القبيلة: الفارس الشيخ أحمد حجاج.
وتكمن أهمية هذا الفارس أن مذكرات علي أفندي جفون – الجندي السوداني الشهير – لا تذكره كشخصية قبلية عابرة، بل تضعه في سياق عسكري رسمي لأحداث شرق السودان. وتذكر المذكرات المنشورة على موقع سودانايل تحت عنوان “مذكرات جندي سوداني – علي أفندي جفون” صراحةً:
أن علي أفندي جفون كان ضمن القوة السودانية، وأنه بعد معركة قلوصي وانسحاب القوات إلى كسلا، أُمر بمرافقة الشيخ أحمد حجاج والشيخ محمد عثمان الميرغني من كسلا إلى أمديب.
وهذه شهادة عسكرية موثقة تضع أحمد حجاج في قلب الأحداث الكبرى لكسلا وأمديب وقادين، وليس على هامشها.
وتضيف المذكرات نقطة قوة أخرى تثبت بأس القدين، حيث تذكر أن الفكي عيسى حاول إخضاع قادين، وأنه قُتل في نهاية المطاف على يد أحمد حجاج، في دلالة واضحة على أن القدين كانت قوة لا تُخضع، وأن زعيمها كان مقاتلاً يحمي استقلالية قبيلته.
ولبراعته تلك، أصدرت حامية كسلا أمراً إدارياً تاريخياً بزيادة مرتب ومخصصات الشيخ أحمد حجاج ورجاله، تقديراً لدوره كقوة ردع أساسية في جبال التاكا وتوتيل.
قصة الوفاء الكبرى.. إجلاء السادة المراغنة
ويبلغ مجد القبيلة ذروته مع الابن الوارث للمجد، القائد محمد نور أحمد حجاج، الذي قاد عام 1885م تحالف فرسان القدين والسبدرات بقيادة علي نورين والحلنقة، لتنفيذ عملية إجلاء أسطورية لقطب الطريقة الختمية السيد البكري الميرغني من حصار كسلا إلى مصوع عبر المسالك الجبلية الوعرة بخيول القدين الأصيلة.
مرابط الخيل.. إرث من 1504م حتى اليوم
ما يميز القدين حتى اليوم أنهم من أوائل وأواخر القبائل التي حافظت على مرابط الخيول الأصيلة المتوارثة منذ 1504م. وحتى اليوم لا يستقبل مك عموم الفونج إلا على صهوات جياد القدين.
إن تاريخ القدين هو تاريخ كسلا نفسها، وإن خبا ذكرها زمناً، فإن مذكرات الجنود وخلاوي القرآن وصهيل الخيل تشهد أن المجد لا يموت.




