فخري فركاوي يكتب: من ود الحليو الازرق يدشن جمهورية الإنتاج في كسلا

بقلم: فخري فركاوي
ظللنا نؤكد دائماً أن الإدارة الحقيقية للشأن العام لا تتأتى بالجلوس خلف المكاتب ومطالعة التقارير المرفوعة، بل بالنزول إلى الأرض حيث يقف الناس وحيث تتشكل عصب الحياة اليومية والإنتاجية بعيداً عن المركز. ومن هذا المنطلق بالتحديد، جاءت زيارة والي ولاية كسلا المكلف، اللواء م. الصادق الأزرق، إلى محلية ريفي ود الحليو، لتضع علامة فارقة في التعاطي مع قضايا الأطراف، وتنقل العمل التنفيذي إلى مساره العملي الصحيح، خاصة مع إعلانه الصريح أمام المواطنين أن هذه الزيارة لن تكون محطة معزولة، بل هي بداية لسلسلة جولات ميدانية راتبة ستشمل كل محليات الولاية بلا استثناء، للوقوف على مشروعاتها ومتابعة قضاياها على الطبيعة.
ولم يكن المشهد في ود الحليو عادياً؛ فقد احتشدت جماهير المحلية في استقبال مهيب وغير مسبوق، رسم لوحة من التلاحم الصادق وعكس كرم الضيافة وطيبة المعدن الأصيل لأهل المنطقة، وهو ما وجد إشادة بالغة وتقديرًا عاليًا من السيد الوالي الذي عبّر بصدق عن امتنانه لهذه الحفاوة وهذا الكرم الفياض. إن لهذا الاحتشاد دلالة عميقة تتجاوز بروتوكولات الاستقبال؛ فهو تعبير صريح عن تعطش إنسان الريف للقاء المسؤول الأول في ولايته وجهاً لوجه، ورسالة واضحة بأن المواطن البسيط لا يطلب المستحيل، بل يريد قيادة تخرج إليه في قريته ومزرعته، وتسمع صوته مباشرة، وتقاسمه همومه وتطلعاته. وهذه المشاعر الفياضة التي غمرت ود الحليو ليست استثناءً، بل هي ذات الفرحة والرجاء التي تنتظر الوالي في كل محليات ولاية كسلا، من شمال الدلتا وتلكوك وهمشكوريب إلى أروما وحلفا وخشم القربة؛ فالمواطن في كل شبر من أرض الولاية يتمنى وصول راعيها الأول ليضع يده على مكامن الوجع، ويحل بقراره المباشر المعضلات التي عجزت عنها المكاتبات البيروقراطية.
إن القيمة الحقيقية لهذا التحرك تنبع من كونه تجاوز المجاملات والوعود العامة، وانتقل مباشرة إلى وضع اليد على الأولويات الملحة التي ظلت تؤرق إنسان المنطقة لسنوات طوال. فالبدء الفعلي في معالجة ملف المياه عبر تأهيل المنظومة القائمة بشراكة فاعلة مع منظمة كير، والدفع بفرق المسح الجيوفيزيائي لحفر آبار جديدة، يلامس حقاً أساسياً ظل غائباً عن ريف ينام على ضفاف نهري عطبرة وسيتيت. ويتكامل هذا التحرك مع الإجراءات العملية على طريق ود الحليو، والبدء في ردمياته المحسنة وتجهيز آليات وزارة البنية التحتية تمهيداً للأسفلت؛ وهنا يجب التنبيه بوعي وحرص على ضرورة حسم هذا الملف ومسابقة الزمن لإكمال هذه المرحلة قبل حلول موسم الخريف والأمطار، حمايةً للجهد المبذول من الانجراف وضماناً لعدم تجدد عزلة شريان حيوي يربط مناطق الإنتاج بالأسواق في واحدة من أغنى بقاع السودان زراعياً وتجارياً.
ولعل من أثمن ما حمله حديث الوالي، وأكثره دلالة على الإمكانات المهدرة، تلك الإشارة الرقمية البالغة الأهمية حول قفزة إنتاجية فدان السمسم من أحد عشر جوالاً إلى خمسة عشر جوالاً؛ وهو مؤشر استثنائي يعكس خصوبة هذه الأرض وعطاءها السخي. هذه الطفرة الإنتاجية ليست سقف الطموح، بل هي مجرد إشارة إلى ما يمكن تحقيقه إذا ما تضاعف الاهتمام بإدخال التقانات الزراعية الحديثة، وتقديم الإرشاد الزراعي النوعي، وتوعية وتثقيف المزارع وتمليكه أدوات الإنتاج المتطور، الأمر الذي يؤهل ود الحليو لأن تكون المورد الأكبر للحبوب الزيتية لكسلا وللسودان قاطبة. والمبشر في الأمر أن هذه الوفرة الإنتاجية تجد بنيتها التحتية مهيأة بوجود الغرابيل الحديثة التي بدأت بالفعل في استقطاب كبار المستثمرين للفرز والتصدير، وما ينقصها الآن ليكتمل المشهد سوى توجيه دفة الاستثمار نحو التصنيع الزراعي القائم على السمسم من معاصر زيوت وخطوط تعبئة وصناعات تحويلية تخلق قيمة مضافة حقيقية تضاعف موارد الولاية، وتفتح أبواب التشغيل الواسعة لقطاع الشباب، وتحدث الفارق الاقتصادي المنشود.
ويكتمل هذا الوعي المجتمعي في المشهد التعليمي الذي استحق ثناءً خاصاً ومستحقاً من السيد الوالي؛ إذ سجل مجتمع ود الحليو ملحمة ناصعة بوقفته الصلبة مع المعلمين ودعم استقرارهم لضمان استمرار اليوم الدراسي لأبناء المنطقة رغم وطأة الإضرابات والظروف المحيطة. هذه الوقفة لا تعكس فقط إدراك الأهالي لقيمة العلم، بل تضع يدنا على ضرورة إعادة توجيه المسار التعليمي ليتلاءم مع طبيعة المنطقة الإنتاجية عبر التوسع في التعليم الفني والزراعي. وهو ذات المبدأ الذي ظللنا ندعو إليه ونؤسس له في اللجنة العليا للمنهج المصاحب للتربية البيئية والتنمية المستدامة، والذي باركه الوالي في اللقاء التفاكري بالدعوة إلى تعليم تطبيقي منتج، ينتقل بالطالب من حيز التلقي النظري إلى فضاء الممارسة الحية لخدمة قضايا مجتمعه وأرضه.
واللافت للنظر أن مجتمع ود الحليو فاجأ الجميع بوعي إداري وتنظيمي متقدم، حين أثبت قدرته على حسم الفوضى المالية عبر تجربة التحصيل الإلكتروني التي جعلت المحلية الأولى على مستوى الولاية في الوصول إلى نقطة الصفر الورقي، وهو إنجاز حقيقي يحسب لأهلها وأجهزتها، ويجعل من تصدرها لتحصيل الموارد والزكاة أمراً منطقياً يستوجب رد الجميل عبر التنمية والخدمات. هذا النموذج يوضح بجلاء أن أطراف كسلا ليست عبئاً على خزينتها، بل هي الرافد الأساسي الذي يغذي استقرارها متى ما توفرت الإرادة وصدقت النوايا.
إن نجاح هذه الخطوة يضع حكومة الولاية أمام استحقاق المتابعة الصارمة؛ فالجولات الميدانية تفقد بريقها وأثرها إن لم ترتبط بجدول زمني ومحاسبة دورية على ما تم الاتفاق عليه، سواء في إنجاز ردميات الطريق قبل الخريف، أو تسريع دخول الآبار الجديدة للخدمة، أو دفع مشاريع التصنيع الزراعي ورعاية المبادرات التعليمية. والعهد الذي قطعه الوالي بالوصول إلى بقية المحليات يمثل التزاماً أخلاقياً وقيادياً يترقبه إنسان تلك المناطق بشغف وأمل، لكسر عهد المركزية وبناء جسور متينة من الثقة القائمة على الإنصاف والعدالة. إن كسلا تمتلك اليوم فرصة تاريخية للتعافي والنهوض الاقتصادي، وبداية هذا الطريق انطلقت بالفعل من ثغور ود الحليو، والمطلوب الآن هو المضي قدماً بذات العزم حتى تتحول هذه الزيارات الميدانية إلى نهج حكم دائم يضع الولاية كلها في مصاف الريادة والإنتاج.



