فخري فركاوي يكتب: إذا أُهين المعلم.. فمن يحمي وجدان الوطن؟

بقلم: فخري فركاوي
لم تكن الواقعة التي شهدتها الجارة مصر مؤخراً عندما أقدم محافظ القليوبيه على التقليل من شأن معلمة ومعلم أمام الملأ، فهبّ الرأي العام دفاعاً عنهم حتى أُعيد لهم اعتبارها بقرار وتكريم وزاري رفيع كان هذا المشهد استفتاءً أخلاقياً صريحاً أعلن فيه الرائ العام المصري أن المساس بكرامة المعلم هو مساسٌ بالأمن القومي الرمزي للأمة برمتها.
ذلك المشهد يدفعنا بحرقة ومسؤولية لطرح السؤال الذي نتهرب منه جميعاً في السودان: أين يقف المعلم السوداني اليوم في سلم أولوياتنا وقيمنا الاجتماعية والرسمية؟
ندرك تماماً حجم الرهق النفسي والضغوط المعيشية الهائلة التي تكابدها الأسر السودانية اليوم. نعلم أن خوف أولياء الأمور على أطفالهم بات مضاعفاً، وأن توترات الواقع السياسي والاقتصادي جعلت الأعصاب مشدودة والمشاعر مشتعلة لأدنى شرارة. وندرك كذلك أن التربية الحديثة تجاوزت أساليب العقاب البدني القاسي، وأن المعلم بشرٌ يخطئ ويصيب وله ما عليه في ميزان التقييم الوظيفي.
لكن، ورغم كل هذه التبريرات النفسية، لا يمكن لأمة سوية أن تسمح بكسر هيبة المعلم.
إن المشاهد الغريبة والوافدة على مجتمعنا حين يقتحم ولي أمر فناء المدرسة ليهين معلماً أو يعتدي عليه بالضرب أمام تلاميذه، ثم يتسابق البعض لنشر المقاطع وتبريرها على منصات التواصل ليست انتصاراً لحق التلميذ، بل هي نسفٌ ممنهج لقيمة القدوة، وزرعٌ لجرأة مدمرة في نفوس النشء تجعلهم غداً متمردين على الأسرة والمجتمع والنظام العام.
إذا أخطأ المعلم، فإن للمؤسسة التعليمية قنواتها الرقابية ولوائحها الرادعة وإداراتها المختصة بالتحقيق، أما استيفاء الحقوق باليد وكسر هيبة الأستاذ أمام عيون طلابه، فهو بداية الفوضى التي تسقط معها أركان العملية التربوية. فالتلميذ الذي يرى أستاذه يُهان اليوم، لن يتعلم منه حرفاً في الغد، ولن يوقر والداً أو مسؤولاً في المستقبل.
إن إصلاح المجتمع يبدأ من رد الاعتبار الكامل لحامل لواء التربية. يجب على الدولة في أعلى مستوياتها التنفيذية والتشريعية أن تعيد ترتيب أولوياتها الوطنية بصورة جذرية؛ فالإنفاق على المعلم ليس ترفاً ولا بنداً هامشياً في الموازنات، بل هو أولوية تسبق كل المجالات؛ لأن المعلم هو الصانع الحقيقي لرجل الأمن، ورجل الاقتصاد، والقاضي، والطبيب، والمحامي. إذا أفقرنا المعلم وأهدرنا مكانته الاقتصادية والمعيشية، فنحن نهدر الأساس الذي يقوم عليه قوام الدولة والتعافي الوطني.
إن الاستثمار في تدريب المعلم، وتحصين استقراره المعيشي، وتزويده بأساليب التربية الحديثة وغرس معاني الوطنية والانتماء في وجدانه، هو السبيل الوحيد ليتخرج من بين يديه جيل متزن، يحب أرضه ويدافع عن مستقبله بعيداً عن التشظي والضياع.
إن كرامة المعلم خطٌ أحمر لا يقبل التبرير تحت أي ظرف نفسي أو معيشي؛ فالمجتمع الذي يفقد احترامه لمعلميه هو مجتمع يعلن استسلامه للجهل والانهيار الأخلاقي. فلنحمِ من نأتمنهم على فلذات أكبادنا، ليبقى للوطن أملٌ في الغد.



