فخري فركاوي يكتب: التعليم أولاً… كيف يصنع المنهج المصاحب للتربية البيئيه والتنمية المستدامة اقتصاداً أخضر لكسلا على خطى هولندا ..

بقلم / فخري فركاوي
رغم التقارب الكبير في المساحة الجغرافية بين ولاية كسلا بشرق السودان ودولة هولندا، تكشف المقارنة الاقتصادية بين الجانبين عن فجوة عميقة في الاستفادة من الثروة الحيوانية، جعلت من هولندا قوة عالمية في صادرات الألبان واللحوم، بينما ما تزال كسلا عاجزة عن تحويل مواردها الطبيعية إلى عائد تنموي مستدام.
تبلغ مساحة ولاية كسلا نحو 42 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة قريبة جداً من مساحة هولندا التي تقدر بحوالي 41.5 ألف كيلومتر مربع. غير أن هذا التقارب في الجغرافيا لم ينعكس على مستوى الأداء الاقتصادي، خاصة في قطاع الثروة الحيوانية.
أرقام تكشف الفجوة
تشير التقديرات إلى أن ولاية كسلا تضم:
ما بين 1.8 إلى 2.2 مليون رأس من الأبقار
ونحو 1.5 إلى 2 مليون رأس من الماعز
في المقابل، تمتلك هولندا:
نحو 3.7 – 3.8 مليون رأس من الأبقار
وأكثر من 600 ألف رأس من الماعز
ورغم أن أعداد الأبقار في كسلا ليست بعيدة كثيراً عن هولندا، فإن الفارق الحقيقي يظهر في القيمة الاقتصادية المتولدة من كل رأس، حيث تحقق هولندا عائدات بمليارات الدولارات سنوياً من قطاع الثروة الحيوانية، بينما تظل مساهمة هذا القطاع في اقتصاد كسلا محدودة وتعتمد في الغالب على البيع الخام دون قيمة مضافة.
سر التفوق الهولندي يعود إلى جملة من العوامل، أبرزها:
* الاعتماد على الإدارة العلمية الدقيقة والإحصاء الشامل
* استخدام تكنولوجيا حديثة رفعت إنتاجية الحيوان الواحد
* بناء سلاسل قيمة متكاملة تشمل التربية، التصنيع، والتصدير
* توفر بنية تحتية متقدمة وخدمات بيطرية وتمويل منظم
وبذلك، لا يُنظر إلى الحيوان في هولندا كمورد تقليدي، بل كعنصر أساسي في منظومة اقتصادية صناعية متكاملة.
لماذا تعثرت كسلا؟
في المقابل، تواجه ولاية كسلا تحديات بنيوية حالت دون الاستفادة المثلى من ثروتها الحيوانية، من بينها:
* هيمنة نمط الرعي التقليدي وضعف التحول إلى الإنتاج المنظم
* غياب الصناعات التحويلية والاكتفاء ببيع الحيوان حياً
* ضعف الخدمات البيطرية وأنظمة التخزين والنقل
* محدودية الإحصاءات الدقيقة والتخطيط الاقتصادي طويل المدى
التعليم بوصفه نقطة التحول
أن المنهج المصاحب للتربية البيئية والتنمية المستدامة بولاية كسلا يمثل الحلقة المفقودة في معادلة النهوض بالإنتاج الحيواني، إذ يُعوَّل عليه في إخراج جيل يعي معنى الاستثمار في الثروات الطبيعية، لا مجرد استهلاكها أو التعامل معها بعقلية تقليدية.
فالمنهج، بما يتضمنه من مفاهيم الاستدامة والإدارة الرشيدة وسلاسل القيمة، يُعد اللبنة الأولى لبناء عقلية إنتاجية حديثة قادرة على تحويل الثروة الحيوانية من مورد خام إلى قيمة اقتصادية مضافة.
أن التجربة الهولندية لم تبدأ من وفرة الموارد، بل من التعليم والتأهيل المبكر، حيث نشأ جيل يفهم العلاقة بين البيئة والاقتصاد، ويُدرك أن كل رأس ماشية يمثل مشروعاً إنتاجياً متكاملاً. ومن هذا المنطلق، فإن ترسيخ هذه المفاهيم داخل المدارس في كسلا يُعد خطوة استراتيجية نحو إعادة تشكيل الوعي المجتمعي، وبناء قاعدة بشرية قادرة مستقبلاً على إدارة الإنتاج الحيواني بكفاءة، وقيادة تحول اقتصادي حقيقي يجعل الولاية أقرب إلى النماذج العالمية الناجحة، وعلى رأسها هولندا.
فرصة تنموية قيد التحقق
ونعتقد أن ولاية كسلا تمتلك فرصة حقيقية للتحول إلى قطب إقليمي للثروة الحيوانية إذا ما تزامن تطوير الإنتاج مع:
* نظم تعليمية تعزز ثقافة الاستثمار
* انتقال تدريجي إلى الإنتاج شبه المكثف
* إنشاء مصانع ألبان ولحوم صغيرة ومتوسطة
* تحسين الخدمات البيطرية والإرشاد
* تشجيع الشراكات مع القطاع الخاص والمنظمات
تؤكد المقارنة أن الفارق بين كسلا وهولندا لا يعود إلى نقص الموارد، بل إلى غياب الإدارة الاقتصادية الحديثة المدعومة بالتعليم. فحين يتكامل المنهج المصاحب للتربية البيئية والتنمية المستدامة مع سياسات الإنتاج، تتحول الثروة الحيوانية من مورد تقليدي محدود العائد إلى قاطرة تنمية حقيقية، قادرة على إحداث نقلة نوعية في اقتصاد ولاية كسلا، ووضعها على مسار مشابه لتجارب دولية ناجحة مثل هولندا.




