رأي

د عمر علي عطا المنان يكتب: انهيار “المعجزة”: كيف بدأت السياسة وزلزلت الحرب أركان النموذج الإماراتي

​بقلم: د. عمر علي عطا المنان
على مدى عقود، قُدمت دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها كنموذج استثنائي في منطقة الشرق الأوسط؛ “واحة” من الاستقرار والازدهار وسط محيط من الاضطرابات. اعتمد هذا النموذج بشكل كلي على “علاوة الاستقرار”
وهي قدرة الدولة على إقناع الرأسمالية العالمية بأن أموالها واستثماراتها في مأمن من التقلبات السياسية. لكن اليوم، يبدو أن هذا “الملاذ الآمن” يواجه لحظة الحقيقة، حيث تضافرت قرارات القيادة مع طبول الحرب الإيرانية-الأمريكية لتكشف عن هشاشة هيكلية غير مسبوقة.
بذور الانهيار.. التخلي عن “الدبلوماسية الهادئة”بدأ التصدع في النموذج الإماراتي ليس من الخارج، بل من الداخل، وتحديداً عندما قررت القيادة الإماراتية، بقيادة محمد بن زايد، التخلي عن إرث “الشيخ زايد” القائم على الحياد والوساطة، وتبني استراتيجية “القوة الخشنة” والتدخل المباشر في شؤون الاخرين، مما خلق سلسلة من الأعداء والخصوم:
​المستنقع الليبي والجزائري: شكل التدخل في ليبيا عبر دعم أطراف عسكرية ضد أخرى رسالة واضحة بأن الإمارات لم تعد “جسراً للتجارة” بل “طرفاً في الحرب”. هذا التدخل لم يزعزع استقرار شمال أفريقيا فحسب، بل أدخل الإمارات في صدام دبلوماسي حاد مع الجزائر، القوة الإقليمية التي رأت في التحركات الإماراتية تهديداً مباشراً لأمنها القومي، مما عزل الإمارات مغاربياً.​حصار قطر (2017):
• كان هذا القرار أول مسمار في نعش “الثقة الخليجية”. لقد أثبت للمستثمر الخليجي و العالمي أن الخلافات السياسية قادرة على شل حركة التجارة والملاحة الجوية بين عشية وضحاها.
​الموقف من حرب فلسطين (غزة): أدى الموقف الإماراتي، الذي رآه الكثيرون منحازاً أو متواطئاً عبر اتفاقيات التطبيع والاستمرار فيها رغم المجازر في غزة، إلى شرخ أخلاقي هائل. هذا الموقف لم يغضب الشارع العربي فحسب، بل جعل الإمارات هدفاً مشروعاً للخطاب الثوري والمقاوم في المنطقة، مما رفع من منسوب المخاطر الأمنية على علامتها التجارية كدولة عربية رائدة ​المستنقع السوداني والنقطه السوداء”:
• كشف دور الإمارات كنمول ومورد للسلاح في السودان – وفق تقارير دولية – عن وجه صادم للسياسة الإماراتية. هذا التدخل تسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية، وخلق حالة من “الترقب الانتقامي” لدى الجالية السودانية الكبيرة والمؤثرة داخل الإمارات، مما ضرب مفهوم “الأمان المجتمعي” في مقتل.
• الحرب الإيرانية.. “القشة التي قصمت ظهر البعير”جاءت الحرب (الإيرانية-الأمريكية) لتضع النموذج الإماراتي أمام اختبار مستحيل. فبينما تمتلك دول مثل السعودية مساحة جغرافية شاسعة، تفتقر الإمارات لـ “العمق الاستراتيجي”
: ​الجغرافيا القاتلة:
• تقع الإمارات وجهاً لوجه أمام إيران. وفي أي صراع مفتوح، تتحول أبراج دبي ومطاراتها ومحطات تحلية المياه فيها إلى أهداف سهلة في متناول الصواريخ الإيرانية.دوامة التأمين والشحن
لا تحتاج الحرب لتدمير الإمارات مادياً بالكامل لتسقط؛ بل يكفي أن ترتفع تكاليف “تأمين مخاطر الحرب” لتصبح موانئ جبل علي ومطارات دبي غير مجدية اقتصادياً، مما ينهي دورها كمركز لوجستي عالمي.
سيولة البشر”.. الانهيار الديموغرافي
​تكمن نقطة الضعف القاتلة في الإمارات في تركيبتها السكانية. يعتمد الاقتصاد الإماراتي على 9 ملايين مغترب هم المحرك للمستشفيات، البنوك، وقطاعات التكنولوجيا.
خلافاً للمواطن الذي يتمسك بأرضه، فإن هؤلاء يمثلون “رأس مال عائماً”؛ وعند أول شعور بخطر حقيقي ومستدام، سيحدث “هروب جماعي” للكفاءات والسيولة. وإذا رحل الناس، ينهار السوق فوراً، وهو العمود الفقري للثروة المحلية.
الخاتمة: نهاية الأسطورة
​إن الحروب لا تُخاض فقط في الميادين، بل في مكاتب تصنيف الائتمان ومشاعر المستثمرين. لقد بدأ القادة الإماراتيون عملية تقويض “الثقة” عبر سياسات التدخل والعداء من غزة إلى الجزائر والسودان، وجاءت الحرب الإيرانية لتضع اللمسة الأخيرة على هذا الانهيار.
لقد بُنيت الإمارات على “فكرة الأمان الدائم” في منطقة مشتعلة. واليوم، يكتشف العالم أن هذا النموذج يمكن أن يتفكك عبر تحول في “التصورات الذهنية” بنفس السرعة التي تفكك بها زخات الصواريخ المباني الزجاجية. إن الخطر الحقيقي ليس تدمير البنية التحتية، بل موت “الأسطورة” التي جعلت كل ذلك ممكناً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى