عوض الكريم ابراهيم يكتب (هل نوم الوالي وحكومته يطفئ ظلام مروي… أم يزيده سوادا)

بلقم: عوض الكريم ابراهيم
مراجل الصدور
الزراعة هي آخر ما تبقّى من عصب الحياة في الشمال، هي مورد الناس وملاذهم بعد أن ضاقت بهم السبل. ينظر المواطن اليوم إلى حوض القش الذي تأكل منه الأنعام، وإلى الحواشات التي كانت تفيض خُضرة، وإلى النخيل الذي امتد عامًا كاملًا يُنتظر حصاده لا ترفًا، بل لسداد دينٍ يطحن الكرامة قبل الجيب.ستة أشهر عجاف أنهكت الزرع، وأهلكت الضرع، وكسرت ظهور المزارعين، ولم تترك لهم إلا الحسرة وذكرياتٍ تُبكي ولا تُطعم. وفي المقابل… حكومة الولاية غارقة في سباتٍ ثقيل، كأن الأمر لا يعنيها، وكأن هذه الأرض ليست أرضها، ولا هؤلاء الناس أهلها.
كنا ننتظر من حكومةٍ مسؤولة أن تتحرك، أن تجتهد في أوقات توفر الكهرباء، أن تُسابق الزمن لحل أزمة المحولات… لكنها اختارت طريقًا آخر: طريق اللامبالاة، والانشغال بالمظاهر، ونفخ التصريحات، وكثرة الأسفار التي لا يعلم أحد جدواها. كلما سأل الناس: أين المسؤول؟ قيل: خارج البلاد! ولماذا؟ صمتٌ مريب لا إجابة له.
تذهب إلى دواوين الحكومة، فتجدها كالمقابر، خاوية على عروشها، لا حياة فيها ولا حراك… البوم فيها أصدق حضورًا من المسؤولين! فأين هم من قضايا الناس؟ أين هم من الكهرباء التي أصبحت شريان الحياة؟ لم نطلب منكم معجزات، ولم نُحمّلكم ما لا تطيقون. نعلم أن التأسيس أكبر من قدراتكم، لكننا طلبنا الحد الأدنى: أن تُرمموا ما تركه الآخرون. تسعة أشهر وأكثر، وأنتم عاجزون عن استجلاب محولٍ واحد! محول فقط… فكيف تستحلون مرتباتكم؟ وكيف يطيب لكم المقام على كراسيكم الوثيرة، والمواطن يغرق في ظلامٍ دامس؟
لم تعد الإنارة رفاهية، بل أصبحت حلمًا بعيدًا. ونحن لا نطلب ضوء الشوارع، بل نطلب كهرباء الزراعة… الكهرباء التي تحفظ أرزاقنا، وتصون حياتنا، وتبقي ما تبقى من أمل.الا تخجلون؟
ألا تغارون من ولاةٍ آخرين حققوا إنجازات تُرى بالعين وتُلمس باليد
والي الخرطوم استجاب الالف المحولات ويقف علي ذلك بنفسه وانتم فشلتم وعجزتم في استجلاب محوليين
أم أنكم اخترتم أن تكونوا خارج الزمن، متحجرين كتماثيل المتاحف، لا تهزكم معاناة، ولا تحرككم إرادة شعب؟
لقد تم تضليلنا بوعودٍ جوفاء:
“المحول في الطريق”…
“سيصل خلال أسبوعين”…
فلا طريق أفضى إلى شيء، ولا أسبوعان أنجبا حلًا!
أي استخفافٍ هذا بعقول الناس؟ وأي استهتارٍ بمعاناتهم؟
إلى متى؟
إلى متى هذا العجز الفاضح؟
إلى متى تستمر هذه المهزلة؟
متى نرى في مؤسساتنا أدب الاستقالة؟
فالعجز نهاية الطريق، والاعتراف به شجاعة… أما التمسك بالمناصب مع الفشل، فذلك خيانةٌ لثقة الناس. نريد أجهزةً تعرف التقييم، وتُحسن المحاسبة، وتقول لكل عاجزٍ وفاشل: أرنا عرض أكتافك، فقد أرهقت البلاد والعباد.
نحن قومٌ لا نجامل في الحق، نمدح الإنجاز ونرفعه، لكننا لا نسكت على الفشل، بل نكسره بكلمة الحق، ونواجهه بصدورٍ مفتوحة.
متى تعود الجدية إلى حكومة الولاية الشمالية؟
متى تملكون الجرأة لتروا هذا المواطن المغلوب على أمره؟
السيد الوالي…
أنت لا تدير ثكنةً عسكرية تُغلق بالأوامر والتكتم والسرية الدواعي الأمنية بل تدير ولايةً من شعبٍ حيّ، واعٍ، يرى ويسمع ويُحاسب متطلع لقول فصل في شانه
فإما أن تقوم إلى أمرك بكل قوة، وتواجه هذه الأزمة بشجاعة، أو أرنا عرض أكتافك أنت وحكومتك… فمكانكم لم يعد يحتمل هذا العجز





