فخري فركاوي يكتب: هل نبحث عن التنمية في المكان الخطأ

بقلم: فخري فركاوي
كلما تحدثنا عن التنمية في ولاية كسلا، انصرف التفكير مباشرة إلى التمويل والمشروعات والطرق والبنيات التحتية. وهي بلا شك عناصر مهمة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل استثمرنا فعلاً في أهم مورد نملكه؟
أقصد هنا العقول والخبرات الموجودة داخل جامعات الولاية.
في كثير من الأحيان نتعامل مع الجامعات باعتبارها مؤسسات تمنح الشهادات وتخرّج الطلاب ثم ينتهي دورها عند هذا الحد، بينما الحقيقة أن الجامعات في كل دول العالم المتقدمة تمثل غرف التفكير ومراكز إنتاج المعرفة وصناعة الحلول. وما من دولة حققت نهضتها الحديثة إلا وكانت الجامعات شريكاً أساسياً في رسم الطريق.
عندما أرادت كوريا الجنوبية النهوض بعد سنوات الحرب والفقر، لم تبدأ من المصانع وحدها، بل بدأت من الجامعات ومراكز البحوث. وعندما تحولت سنغافورة من جزيرة صغيرة محدودة الموارد إلى واحدة من أكثر دول العالم تقدماً، كان الاستثمار في البحث العلمي والمعرفة جزءاً من مشروعها الوطني. وحتى الصين التي أدهشت العالم بنهضتها الاقتصادية لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد أن جعلت الجامعات شريكاً مباشراً في التنمية والإنتاج والتخطيط.
وفي تقديري أن ولاية كسلا تمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من هذا الدرس.
بحكم معرفتي بعدد من مديري الجامعات بالولاية، ومتابعتي لما يدور داخل هذه المؤسسات، أجد أن هناك رغبة صادقة وإدراكاً عميقاً لأهمية أن تتحول الجامعات من مؤسسات تعليمية إلى مؤسسات منتجة للمعرفة والحلول.
في جامعة كسلا، بقيادة البروفيسور أماني عبد المعروف، هناك اهتمام واضح بقضايا البحث العلمي وربط الجامعة بالمجتمع. وفي جامعة الشرق الأهلية يعمل الدكتور محمد خير على تعزيز دور الجامعة في خدمة قضايا التنمية. كما يبرز اهتمام الدكتور عمر سليمان بجامعة العلوم الطبية بتوظيف الخبرات الأكاديمية والبحثية لخدمة المجتمع وقضاياه المختلفة.
وما يبعث على التفاؤل أن هذه الجامعات لا تفتقر إلى الكفاءات. فداخل قاعاتها ومعاملها ومراكزها البحثية توجد خبرات علمية كبيرة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والاقتصاد والبيئة والصحة والتنمية الريفية وغيرها من التخصصات التي ترتبط مباشرة باحتياجات الولاية.
السؤال الذي أراه مهماً اليوم: لماذا لا تصبح هذه الخبرات جزءاً من صناعة القرار التنموي
كسلا ولاية زراعية في المقام الأول. وتواجه تحديات كبيرة في تطوير الإنتاج الزراعي وتحسين المراعي وزيادة الإنتاج الحيواني والاستفادة من الموارد الطبيعية. وهذه كلها ملفات لا يمكن أن تعتمد فقط على الخبرة الإدارية أو الرؤية السياسية مهما كانت أهميتها، بل تحتاج إلى المعرفة العلمية والبحث والدراسة والتجريب.
ليس مطلوباً أن تدير الجامعات العمل التنفيذي، ولكن المطلوب أن تكون حاضرة على طاولة التخطيط، وأن يُستمع إلى الباحثين والمتخصصين قبل اتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بمستقبل الولاية.
ومن هنا أجد نفسي أوجه دعوة صادقة للسيد اللواء الركن معاش الصادق محمد الأزرق والي ولاية كسلا، للنظر إلى الجامعات باعتبارها شريكاً استراتيجياً في التنمية. فالولاية تمتلك ثروة علمية حقيقية ربما لم يُستفد منها بالقدر الكافي حتى الآن.
إن أي مشروع زراعي كبير، أو خطة لتطوير الثروة الحيوانية، أو برنامج لمعالجة القضايا البيئية، سيكون أكثر نجاحاً عندما يستند إلى الدراسات العلمية والخبرات الأكاديمية الموجودة داخل جامعاتنا.
التنمية ليست أموالاً فقط، وليست قرارات فقط، وإنما هي معرفة قبل كل شيء.
ولعل أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي حكومة هو أن تجعل العلم جزءاً من عملية اتخاذ القرار.وعندما يحدث ذلك، لن تكون الجامعات مجرد مؤسسات تعليمية على هامش المشهد، بل ستصبح كما هي في الدول المتقدمة: شريكاً في البناء، ومصدراً للأفكار، وقاطرة حقيقية للتنمية.





