رأي

فريد مكي منجا يكتب: النخب بين الوصاية على الوعي واحترام إرادة الجماهير

بقلم: فريد مكي منجا
ظلت النخب المثقفة والمتعلمة والمستنيرة، عبر مختلف الحقب في تاريخ السودان الحديث، تنظر إلى نفسها باعتبارها القائد الطبيعي للمجتمع، وصاحبة الحق في توجيه العامة نحو ما تؤمن به من أفكار ورؤى سياسية وفكرية. وقد ترسخ لدى بعض هذه النخب اعتقاد بأن ما تتبناه هو الرأي الصائب الذي لا يحتمل الخطأ، وأن كل من يخالفها إنما يفعل ذلك عن جهل أو تضليل أو تبعية لنخب المركز أو للسلطة القائمة، دون أن يمتلك رؤية مستقلة أو قناعة حقيقية.
غير أن هذه النظرة، رغم ما تحمله من ثقة بالنفس، تكشف في كثير من الأحيان عن نزعة وصاية تتناقض مع المبادئ الديمقراطية التي تنادي بها تلك النخب نفسها. فالديمقراطية لا تقوم على احتكار الحقيقة، ولا على تقسيم المجتمع إلى فئة واعية تحتكر الفهم، وأخرى لا دور لها سوى الاتباع والتلقي، وإنما تقوم على الاعتراف بحق الجميع في تكوين آرائهم واختيار مواقفهم، حتى وإن خالفت قناعات النخب.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الجماهير ليست كتلة صامتة يسهل توجيهها كما يشاء المثقفون أو السياسيون، وإنما تمتلك خبراتها الخاصة، وتبني مواقفها استنادا إلى مصالحها وتجاربها وظروفها الاجتماعية والاقتصادية. وقد تأتي اختياراتها أحيانا مخالفة لما تراه النخب، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها اختيارات غير واعية أو أنها نتاج تضليل.
ومن الملاحظ كذلك أن بعض النخب كثيرا ما ترفع شعارات الحرية والتعددية وقبول الآخر، لكنها تضيق ذرعا بأي رأي يخالفها، فتسارع إلى تخوين المخالف أو اتهامه بالعمالة أو الجهل أو الانقياد وراء السلطة. وهذه الممارسة تضعف الخطاب الديمقراطي، لأنها تستبدل الحوار بالإقصاء، والحجة بالتصنيف.
إن كثيرا من قضايا الراهن السياسي والاقتصادي والاجتماعي في السودان لا يمكن أن تجد حلولا ناجعة من خلال رأي واحد أو مدرسة فكرية واحدة، وإنما تحتاج إلى تضافر الجهود، وتكامل الآراء، وتبادل الخبرات، للخروج برؤية شبه مجمع عليها تحقق المصلحة العامة. أما الاتفاق الكامل بين الجميع على رأي واحد فمن الصعوبة بمكان، إن لم يكن من المستحيلات، ولذلك فإن إدارة الاختلاف بصورة راشدة تعد أكثر أهمية من السعي إلى إلغائه.
إن السودان اليوم بحاجة إلى نخب تمارس النقد الذاتي قبل أن تمارس نقد الآخرين، وتدرك أن دورها الحقيقي ليس فرض الوصاية على المجتمع، وإنما الإسهام في بناء وعي عام يقوم على الحوار والإقناع واحترام التعدد. فالحقيقة السياسية ليست ملكا لأحد، والاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتشكيك في وعي الناس أو الانتقاص من خياراتهم.
إن مستقبل السودان لن يبنى بعقلية الوصي والمتبوع، ولا بمنطق احتكار الوطنية أو الحكمة، وإنما بإقرار الجميع بأن الوطن يتسع لكل الآراء، وأن قوة أي مجتمع تكمن في قدرته على إدارة اختلافاته بالحوار والاحترام المتبادل، لا بالتخوين والإقصاء. فحين تتلاقح الأفكار، وتتكامل الرؤى، وتعلو المصلحة الوطنية على الانتماءات الضيقة، يصبح الوصول إلى حلول واقعية ومستدامة أمرا ممكنا، حتى وإن ظل الاختلاف قائما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى