فخري فركاوي يكتب: أزمة الحكم واستعجال الحصاد.. كسلا بين ضغط الواقع واختبار الاستقرار

بقلم: فخري فركاوي
لا يزال الوجدان السياسي السوداني أسيراً لمرض قديم ومستحكم؛ داء التعجل في حصد الثمار قبل نضجها، والركون الدائم إلى فكرة تبديل الوجوه كلما اصطدمت التطلعات بتعقيدات الواقع. وهو نمط متكرر أهدر عقوداً من عمر البناء الوطني في شتى ولايات السودان، ويتجدد اليوم في ولاية كسلا مع تنامي بعض الأصوات المنادية بإنهاء تكليف واليها اللواء ركن معاش الصادق الأزرق، دون تدقيق منصف في ميزان الظروف، ولا تقديم رؤية برامجية بديلة.أذكر جيداً، في مستهل تكليف الرجل بإدارة شأن الولاية، حين صادفته في جولة راجلة بسوق كسلا؛ كان يتحرك بحيوية لافتة بين الباعة والمارة، متحدثاً بنبرة حاسمة عن أهمية نظافة البيئة وإصحاح الأسواق وتضافر الجهود الشعبية والرسمية لنهضة المدينة. في تلك اللحظة، ورغم تفاعل الحاضرين وتكبيرهم، تسلل إليّ شيء من الشك القديم؛ وظننت -كما يظن كثيرون ممن اعتادوا خيبات التجارب- أن ما أراه ليس سوى فورة بدايات واستعراض بروتوكولي سرعان ما ينطفئ خلف جدران المكاتب المغلقة.غير أن تتابع الأيام أثبت خطأ ذلك الظن المتعجل. فالرجل لم يجعل من مكتبه برجاً عاجياً، بل اتخذ من الميدان مقراً دائماً، متابعاً تفاصيل المؤسسات والوزارات، ودفعاً لمشروعات التنمية والخدمات. والإنصاف يقتضي هنا ألا نقيس الأداء بمعايير أوقات الرخاء والاستقرار؛ فكسلا اليوم تدير شأنها في خضم ظرف وطني معقد، وتحت وطأة ضغوط اقتصادية بالغة القسوة، فضلاً عن استقبالها موجات هائلة ومتتابعة من الفارين من جحيم الحرب في مختلف ولايات البلاد، بكل ما يحمله ذلك النزوح من عبء ثقيل على الخدمات الأساسية، والبيئة، والأمن، والموارد الشحيحة أصلاً.
إن ما أُنجز في ظل هذه المعادلة المعقدة ليس باليسير، ولا شك أن التجربة -كأي عمل بشري تنفيذي- تشوبها بعض الهنات والقصور الذي لا يسلم منه حاكم عبر التاريخ. غير أن المعالجة الراشدة لا تبدأ بهدم البناء، بل بتقويمه. وهنا نسأل أصحاب الدعوات المتعجلة برحيل الوالي: ما هي البرامج والخطط البديلة التي تطرحونها لانتشال الولاية من مآزقها؟ وهل أزمتنا تكمن حقاً في الأشخاص أم في غياب الدعم المؤسسي والصبر على استكمال المشروعات؟
إن الرحيل في مسار الخدمة العامة سنّة حتمية، والكرسي لا يخلد لأحد، وأحسب أن الوالي -بحكم خلفيته وانضباطه- يدرك هذه الحقيقة جيداً، ويسابق ساعاته ليترك أثراً ملموساً يشهد له لا عليه. لكن الدرس الذي يجب أن نتعلمه بعد عقود من تعثر مسيرة الحكم الوطني في السودان، هو أن هوس التغيير العشوائي، وغياب المؤسسية، واستعجال قطف النتائج، هي المعاول الحقيقية التي تعطل التنمية وتكرس الفوضى الإدارية. إن ولاية كسلا في هذه المرحلة الاستثنائية أحوج ما تكون إلى تقويم المسار وتصويب الأخطاء، مع الحفاظ على الاستقرار الإداري الذي يقيها مغبة التراجع إلى نقطة الصفر من جديد.



