رأي

فخري فركاوي يكتب:.الفول فولي… والجيب خالي

بقلم: فخري فركاوي
في السودان، هناك سلع يمكن أن تختلف حولها، ويمكن أن تستغني عنها، ويمكن أن تقول إن وقتها لم يحن. لكن الفول؟!
الفول عندنا ليس مجرد سلعة في السوق، ولا مجرد وجبة إفطار. الفول جزء من الحياة السودانية نفسها. في البيت، في المطعم، في الشارع، وفي ذالك الدكان الذي يعرف صاحبه زبائنه أكثر مما يعرفهم بعض أقاربهم.
ولذلك، عندما يصدر قرار بوقف استيراد الفول ، فالأمر بالنسبة للمواطن ليس خبراً اقتصادياً يمر في النشرة المسائية. المواطن يريد أن يعرف شيئاً واحداً:
بكرة الفول ح يكون بكم؟
القرار، من حيث الفكرة، يبدو جميلاً جداً.
نحن نريد مزارعاً سودانياً يزرع، ومستهلكاً سودانياً يأكل من إنتاج بلده، وعملة أجنبية لا تذهب إلى الخارج لشراء ما يمكن أن تنتجه أرضنا.
ومن يختلف مع هذا الكلام؟
المشكلة ليست في الهدف، وإنما في الطريق إليه.
فالقرار يقول للمزارع: السوق أصبح أمامك.
لكن هل أعطيناه قبل ذلك البذور؟ هل وفرنا له التمويل؟ هل خفضنا تكلفة الإنتاج؟ هل وفرنا الوقود؟ هل وجد الماء؟ هل وجد الآليات؟ هل لديه مخازن تحفظ محصوله؟ وهل يستطيع نقل الفول من الحقل إلى السوق بتكلفة معقولة؟
هذه هي الأسئلة التي تحدد إن كان القرار سيحمي المزارع فعلاً أم سيحميه على الورق فقط.
وزارة الزراعة تقول إن إنتاج السودان من الفول يقدر بنحو 175 إلى 185 ألف طن، وإن الواردات في أعلى مستوياتها خلال السنوات الماضية لم تتجاوز نحو 35 ألف طن.
ممتاز.
إذا كانت هذه الأرقام تعني أن إنتاجنا المحلي قادر على تغطية حاجة السوق، فليكن القرار بداية جيدة.
لكن هناك قاعدة بسيطة في الاقتصاد، لا تحتاج إلى أستاذ جامعة:
إذا قل المعروض وارتفع الطلب، ارتفع السعر.
والمواطن السوداني لا يملك ترف انتظار النظريات الاقتصادية حتى تنضج.
هو يريد صحن الفول صباحاً.
وهنا أخشى أن نصل إلى المفارقة السودانية المعروفة: نمنع الفول المستورد حتى نشجع الفول السوداني، ثم يستيقظ المواطن بعد أيام ليجد أن الفول السوداني نفسه أصبح سلعة لا يقدر عليها إلا أصحاب الجيوب الممتلئة!
وهنا يمكن أن نلخص الحكاية كلها في جملة واحدة:
الفول فولي… والجيب خالي!
نريد فولاً سودانياً، نعم، ونريد أن نرى المزارع السوداني يزرع ويكسب، لكن ماذا يفعل المواطن إذا أصبح الفول سودانياً مئة بالمئة، بينما راتبه وجيبه لا يستطيعان مواكبة سعره؟
لا نريد ذلك.
لأن الهدف من حماية المنتج المحلي ليس أن يصبح المنتج أغنى والمستهلك أفقر.
الهدف أن يصبح المزارع أفضل حالاً والمواطن أيضاً أفضل حالاً.
وهذا ممكن.
لكن حماية المزارع لا تبدأ من الميناء، وإنما تبدأ من الحقل.
ابدأوا معه من التقاوي، ثم التمويل، ثم الوقود، ثم الزراعة والحصاد، ثم التخزين، ثم النقل، ثم السوق.
قولوا له ببساطة:
ازرع… ونحن لن نترك محصولك للصدفة.
وفي المقابل، على الدولة أن تراقب السوق حتى لا يتحول القرار إلى فرصة للمضاربة ورفع الأسعار.
فالمواطن الذي يدفع اليوم ثمن الحرب، وغلاء المعيشة، وارتفاع النقل والدواء والتعليم، لا يحتمل أن تضاف إليه ضريبة الفول.
والفول، كما يعرف كل سوداني، ليس مجرد وجبة يمكن أن نقول له: استبدلها بشيء آخر.
بماذا؟
باللحمة؟ غالية.
بالدجاج؟ غالٍ.
بالبيض؟ اسألوا الأسواق.
بالحليب؟ نحن أصلاً كتبنا عن قصة الرطل الذي أصبح ينافس ميزانية الأسرة.
إذن إذا ارتفع سعر الفول أيضاً، فماذا بقي للمواطن من وجباته الشعبية التي كانت تسنده في زمن الشدة؟
هنا تصبح القضية أكبر من الفول المستورد .
إنها قضية أمن غذائي.
نحن نحتاج إلى سياسة زراعية تجعل السودان منتجاً للغذاء، لا مجرد سوق للغذاء.
نحتاج إلى أن ننتج الفول والذرة والقمح والزيوت والخضروات، ثم ننتقل بعد ذلك إلى التصنيع والتخزين والتصدير.
أما أن نغلق باب الاستيراد فقط، ثم ننتظر أن يحل السوق المشكلة وحده، فهذه ليست سياسة غذائية مكتملة.
نحن مع المزارع السوداني حتى النهاية.
لكننا أيضاً مع المواطن السوداني حتى النهاية.
احموا المزارع، نعم… ولكن لا تجعلوا المواطن يدفع ثمن حمايته.
فالمواطن لا يريد فولاً مستورد .
ولا يريد فولاً سودانياً غالياً.
هو يريد ببساطة فولاً سودانياً، جيداً، متوفراً، وسعره في مقدور يده.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لقرار وقف الاستيراد.
فإذا امتلأت الحقول بالفول، وامتلأت الأسواق بالفول، وبقي سعره في متناول الناس، فسنقول: أحسنتم.
أما إذا اختفى الفول من السوق وظهر فقط في بيانات الحكومة، فسيكون السؤال وقتها أكثر بساطة:
الفول فولي… والجيب خالي!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى