فخري فركاوي يكتب: سعادة الوالي: أزلتَ سوق المخدرات.. فمن يُنقذ من سقطوا فيه؟ مصحةٌ تُنقذ الأبناء قبل أن نخسرهم

بقلم . فخري فركاوي
لا أحد يستيقظ ذات صباح ليجد ابنه مدمناً. يبدأ الأمر بجلسة مع رفاق، ثم تجربة عابرة، ثم تتحول الجلسة إلى عادة، والعادة إلى قيد. وحين تكتشف الأسرة الحقيقة، تكون قد دخلت نفقاً لا تعرف له آخر. وفي ولاية كسلا اليوم، تقف كثير من البيوت أمام هذا النفق في صمت، لأن الحديث عنه يوجع، ولأن الخروج منه يكلّف أكثر مما تملك.
تحدّث الناس كثيراً عن مراحل الإدمان: الترويج، ثم التعاطي، ثم الانهيار. وأرى أن أخطر هذه المراحل وأقساها هي مرحلة العلاج أقول ذلك عن قناعة لا عن مبالغة، لسببين.
الأول: الزمن الإدمان مرض مزمن، والتعافي منه لا يحدث في أسبوع ولا شهر. هو مسار طويل يحتاج إلى بروتوكول علاجي صارم، وإقامة قد تمتد إلى عام كامل تحت إشراف متخصصين.
الثاني: الكلفة. المصحات القليلة الموجودة لا تستطيع، ولا نلومها، أن تتحمل أو تخفّض تكاليف مريض يقيم فيها بصفة دائمة طوال تلك المدة. فتأتي الفاتورة على أسرة لا تملكها. وأغلب من يقع في فخ المخدرات هم أبناء الأسر الفقيرة. ولا أقول المتوسطة، فالطبقة المتوسطة في بلادنا ذابت أو كادت. تعجز الأسرة عن السداد في منتصف الرحلة، فتضطر إلى إخراج ابنها قبل أن يكتمل علاجه.
وهنا تقع الكارثة الأكبر. فالمدمن الذي يخرج من العلاج قبل أوانه يتعرض للانتكاسة، وهي في الغالب تعيده إلى المربع الأول، وربما إلى ما هو أسوأ منه. تذهب الأموال التي دُفعت، وتنكسر معنويات الأسرة، ويفقد الشاب ثقته في أن للنجاة طريقاً. وكل ذلك لأن الفاتورة لم تكتمل.
فلماذا لا نفكر بطريقة مختلفة؟
لماذا لا تفكر حكومة ولاية كسلا في إنشاء مصحة متكاملة على مستوى عالٍ، تقوم على فكرة بسيطة وناجحة: أن يكون العلاج منتجاً
المدمن لا يحتاج إلى دواء وجدران فقط. يحتاج إلى معنى، وإلى يد تعمل، وإلى شعور بأنه ما زال نافعاً. حين نوفر له داخل المصحة مزرعة يعتني بها، أو ورشة نجارة وحدادة، أو مخبزاً أو وحدة لتصنيع الأغذية، فإننا نعالج الجسد والنفس معاً، ونعيد بناء علاقته بالمجتمع خطوة خطوة. وفي الوقت نفسه يُغطّى جزء معتبر من تكاليف التشغيل من عائد هذا الإنتاج، فتنخفض الكلفة على الأسر، وربما تصل إلى العلاج المجاني. ويخرج المتعافي بعد أشهر وهو يحمل مهنة وخبرة ودخلاً يعيله ويعيل أسرته، لا مجرد شهادة خروج.
وليست هذه فكرة حالمة، ولا نحتاج أن نبحث عنها بعيداً. فهي تجربة تجري اليوم في بلدان عربية قريبة منا.
مصر الشقيقة وهي جارتنا في وادي النيل، أنشأت عبر صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي شبكة مراكز باسم العزيمة تضم الشبكة اليوم نحو 35 مركزاً علاجياً موزعة على 20 محافظة، والعلاج فيها مجاني. وقد أُعلن أن الخدمات العلاجية تصل إلى قرابة 155 ألف مريض سنوياً بالمجان. والأهم لموضوعنا أن العلاج لا ينتهي عند التعافي الجسدي، فالصندوق يعلّم المتعافي حرفة يكسب منها رزقه، وقد جرى تدريب وتشغيل نحو تسعة آلاف متعافٍ على حرف يحتاجها سوق العمل، منها ورش الأثاث وصيانة الهواتف. وتشمل المراكز ورش تدريب مهني وصالات رياضية وقاعة حاسوب ومطعماً ومسرحاً. ويحضر الشباب أنفسهم في العمل، إذ يتجاوز عدد المتطوعين من طلاب الجامعات لدى الصندوق 32 ألف شاب وفتاة. وهي تجربة نجحت في بلد يعاني ما نعانيه من ضغوط اقتصادية، لكنه قرر أن يجعل علاج أبنائه أولوية. مش علاج وبس..
صندوق مكافحة الإدمان يكشف مفاجأة عن تأهيل المتعافين
دولة الإمارات أنشأت المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي، وهو متخصص في علاج وتأهيل مدمني الكحول والمخدرات. وقد عيّنته منظمة الصحة العالمية عام 2017 مركزاً متعاوناً في الوقاية وعلاج الاضطرابات الناجمة عن تعاطي المؤثرات العقلية. وتقوم فلسفته على أن العلاج رحلة متكاملة، تبدأ بالتشخيص الدقيق والعلاج الطبي والنفسي، وتستمر عبر برامج التأهيل والمتابعة الدورية لتقليل فرص الانتكاس وتعزيز الدمج المجتمعي للمتعافين. وفي قانونهم مادة تستحق أن نتأملها: لا تُرفع دعوى جزائية على المتعاطي الذي يتقدم بنفسه طالباً العلاج. فهم يعاملونه مريضاً يحتاج إلى يد تمتد إليه قبل أن يكون متهماً.
القاسم المشترك بين التجربتين أن أصحابهما لم يعاملوا المدمن كعبء يجب إخفاؤه، بل كإنسان يمكن أن يعود طاقةً نافعة إن وُجدت البيئة الصحيحة. وما استطاعته القاهرة وأبوظبي نستطيع، على قدر إمكاناتنا، أن نبدأه في كسلا، بجهد أهلها قبل أي شيء.
سعادة اللواء ركن الصادق الأزرق، لقد أثبتّ أنك رجل قرار. أزلتَ سوق المخدرات في كرشولا، وشدّدتَ على المروجين، فرأى الناس بأعينهم أن الإرادة تصنع الفرق. وبنيتَ أكبر وأحدث مركز للقلب، فعرفنا أن المستحيل في هذه الولاية قابل للتفاوض. وهذه الخطوات تحمي الأبناء من السقوط، لكن من سقط بالفعل ينتظر من يمد إليه يده.
إن مصحة مجانية متقدمة لعلاج الإدمان في كسلا ستكون من أعظم ما يُسجَّل في سيرة أي والٍ. ستنقذ آلاف الأسر، وتعيد إلى المجتمع شباباً كان يمكن أن يضيعوا. وهي ليست مصروفاً يذهب هباءً، بل استثمار في الإنسان يعود نفعه على الولاية كلها: أمناً واستقراراً وإنتاجاً.
ونداء إلى أهل كسلا
لا أخاطبكم بالعاطفة وحدها، بل بما عرفناه عنكم. أهل كسلا أهل كرم وخير، وأهل نخوة إذا دُعوا إلى فعل الخير لبّوا. وأنا واثق أن المشروع إن أُعلن، فسيأتي الناس من كل فجّ: هذا يحمل طوبة، وذاك يحمل شوال إسمنت، وثالث يتبرع بأرضه أو بخبرته، ورجال الأعمال سيفتحون خزائنهم لوجه الله ثم لأبنائهم. فما من بيت في ولايتنا إلا وفيه أو بجواره من ذاق مرارة هذا المرض.
إن الأمم لا تُقاس بمبانيها العالية، بل بما تفعله مع أضعف أبنائها. والشاب الذي سقط في الإدمان ليس ضائعاً بالضرورة، بل هو ينتظر من يؤمن بأنه يستحق فرصة ثانية.
فلنبدأ، سعاده الوالي ويا أهل كسلا. حجر الأساس الأول هو ما ينتظره آلاف الشباب والأسر، وكلنا شركاء فيه.
فهل نبدأ؟




