كرار سيد أحمد.. حين يتحول العطاء إلى مدارس وأجيال وصناعة مستقبل

كسلا: انتصار تقلاوي
ليست العظمة فيما يتركه الإنسان من أموال، وإنما فيما يتركه من أثر في حياة الناس، وما يزرعه من أمل في نفوس الأجيال. ومن هذه المعاني تتجلى سيرة رجل الأعمال كرار سيد أحمد، الذي ارتبط اسمه بالعطاء والعمل المجتمعي، وظل حاضراً في ميادين التعليم والصحة والرياضة والإنتاج، مقدماً نموذجاً للعطاء الذي يتجاوز حدود المبادرات الفردية إلى خدمة المجتمع بأكمله.
ففي كسلا، حيث تتشابك حكايات الوفاء مع ذاكرة المكان، تبرز إسهامات كرار سيد أحمد في دعم المؤسسات الخدمية والتنموية، بدءاً من مشروعات استقبال طلاب الدورة المدرسية، مروراً بدعم القطاع الصحي ومشروعات الإنتاج، وصولاً إلى التعليم الذي ظل أحد أبرز ميادين عطائه.
التعليم.. استثمار في مستقبل الأجيال
على مدى أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، ظل كرار سيد أحمد سنداً للعملية التعليمية، وعضواً فاعلاً في المجالس التربوية، مشاركاً في تأسيس وتطوير المؤسسات التعليمية، حيث أسهم في تشييد الفصول والمكاتب بمدارس المنطقة، وامتد عطاؤه إلى تأسيس مدرسة زينب بابكر الأساسية بنات عام 2013، بالشراكة مع إدريس محمد عبد القادر.
وقد أصبحت المدرسة منذ عامها الأول واحدة من المؤسسات التعليمية المتميزة، ونجحت في تحقيق نتائج متقدمة على مستوى الولاية، وتخريج أجيال من الأطباء والمهندسين والصيادلة، في تجربة تعكس أهمية تكامل الجهود بين الإدارة التعليمية والمجلس التربوي والمجتمع.
وتأتي هذه الإنجازات ثمرة لعمل جماعي شارك فيه المعلمون والمعلمات وإدارة المدرسة والمجلس التربوي، إلى جانب الدعم المجتمعي الذي أسهم في توفير البيئة التعليمية الملائمة، وتعزيز فرص التفوق الأكاديمي.
وفي هذا السياق، تحدث خالد سيد أحمد، رئيس المجلس التربوي بمدرسة زينب بابكر، معبراً عن سعادتهم بالحضور والتفوق الذي حققته المدرسة، ومقدماً الشكر والتقدير لأسرة آل سدحمة على دعمها ورعايتها، داعياً الله أن يجعل ما قدموه في ميزان حسناتهم.
وأكد أن المدرسة الحكومية، التابعة لمحلية كسلا، استطاعت أن تحقق إنجازات أكاديمية متميزة وأن تنافس على مستوى الولاية، مشيراً إلى أن ذلك لم يكن ليتحقق لولا تضافر الجهود وتوفر البيئة التعليمية المناسبة، والدور الفاعل للمجلس التربوي في دعم المدرسة وتوفير احتياجاتها.
كما شدد على أهمية الشراكة بين المدرسة والأسرة والمجتمع، موضحاً حرص إدارة المدرسة على تنظيم الامتحانات الشهرية ومتابعة نتائج الطالبات بالتنسيق مع أولياء الأمور، للوقوف على مستويات التحصيل الدراسي ومعالجة أوجه القصور وتعزيز نقاط القوة.
وتحمل المدرسة بُعداً إنسانياً خاصاً، إذ تعد صدقة جارية على روح والدة كرار سيد أحمد، لتبقى رسالة العلم والعطاء ممتدة عبر الأجيال.
كرار سيد أحمد.. صوت صريح في قضايا التعليم
وفي كلمته أمام والي كسلا ووزير التربية، وضع كرار سيد أحمد قضية التعليم في السواقي تحت دائرة الضوء، متحدثاً عن التحديات التي تواجه المدارس، وفي مقدمتها التزايد السكاني والكثافة العالية داخل الفصول.
وأشار إلى أن بعض الفصول تضم ما بين 55 و65 تلميذة، بينما وصلت الكثافة في مدارس أخرى إلى 110 تلميذات في الفصل الواحد، معتبراً أن عدم مواكبة التوسع السكاني بإنشاء مدارس جديدة أسهم في إضعاف البيئة التعليمية.
وأكد أن السواقي، بما تمتلكه من إمكانات اقتصادية ومجتمعية، قادرة على الإسهام في معالجة هذه التحديات عبر بناء المدارس وتطوير المؤسسات القائمة.
كما أشاد بقرار وزير التربية بشأن عدم انتقال الطلاب في الفصول النهائية بين المدارس الحكومية والخاصة، مستشهداً بنماذج تفوق لطالبات واصلن مسيرتهن التعليمية وحققن نتائج استثنائية، من بينها إحراز إحدى الطالبات الدرجة الكاملة، وأخريات درجات متقدمة بلغت 278 و277 درجة.
صندوق المعلم.. وفاء لأصحاب الرسالة
ولم يغفل كرار سيد أحمد أوضاع المعلمين والمعلمات، حيث طرح مبادرة إنشاء صندوق خاص لدعم المعلمين على المستويين المحلي والولائي، مشيراً إلى الظروف المعيشية الصعبة التي تواجه بعض المعلمات، وعدم كفاية الرواتب لتغطية الاحتياجات الأساسية والمواصلات.
وقدم مقترحه باعتباره خطوة ضرورية لضمان استقرار المعلم واستمرار العملية التعليمية، انطلاقاً من قناعة بأن تطوير التعليم يبدأ بالاهتمام بالذين يحملون رسالته.
واختصر رؤيته في رسالة واضحة للأسر: الاستثمار الحقيقي هو التعليم، وأن تسليح الأبناء والبنات بالعلم هو أعظم ما يمكن أن يتركه الآباء لأبنائهم.
بشرى المدرسة الرقمية.. خطوة نحو المستقبل
ومن أبرز البشريات التي حملها اللقاء الاتفاق على تحويل مدرسة زينب بابكر إلى أول مدرسة رقمية نموذجية بولاية كسلا، بالتعاون مع إدارة التعليم الإلكتروني بوزارة التربية، في شراكة تجمع بين مؤسس المدرسة كرار سيد أحمد ووزارة التربية.
وتمثل هذه الخطوة نقلة نوعية في مسيرة المدرسة، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الطالبات للاستفادة من التقنيات الحديثة وتطوير قدراتهن التعليمية، بما يجعل المدرسة نموذجاً يحتذى به في مواكبة التحولات الرقمية في التعليم.
كما طُرحت خلال اللقاء حاجة منطقة السواقي إلى إنشاء مدرسة متوسطة للبنين، باعتبارها من الاحتياجات التعليمية الملحة، خاصة أن المنطقة الممتدة من التقاطع وحتى السبيل تفتقر إلى مدرسة متوسطة للبنين.
العطاء لا يتوقف عند التعليم
ولم تقتصر إسهامات كرار سيد أحمد على التعليم، فقد امتدت إلى القطاع الصحي، حيث كان له دور في دعم طوارئ مستشفى كسلا، من خلال متابعة الاحتياجات واستكمال النواقص بالتعاون مع أسرة العم كرار وشركة كسلا للدواجن.
وفي مجال الإنتاج، أسس مشروع «كرار فارم» للدواجن، ليسهم في توفير منتجات الفراخ والبيض ودعم الإنتاج المحلي، إلى جانب مشروعات أخرى رفدت اقتصاد الولاية.
أما رياضياً ومجتمعياً، فقد ارتبط اسمه بنادي الفلاح، الذي أسهم في وضع لبناته الأولى من ماله الخاص، وظل حاضراً في دعم أنشطته الرياضية والثقافية والاجتماعية، وصولاً إلى المشاركة في نفرة تطوير منشآت النادي.
كلمة أخيرة.. الأثر الذي لا يزول
إن تجربة كرار سيد أحمد تقدم صورة لرجل اختار أن يجعل من العطاء نهجاً، ومن خدمة المجتمع مسؤولية، ومن التعليم رسالة تستحق أن تُبذل من أجلها الجهود.
فبين مدرسة تفتح أبوابها للعلم، ومستشفى يستقبل المرضى، ومشروع إنتاجي يدعم الاقتصاد، ونادٍ يحتضن طاقات الشباب، تتشكل ملامح سيرة عنوانها الوفاء والانتماء.
وتبقى مدرسة زينب بابكر، بما تحمله من رسالة تعليمية وإنسانية، شاهداً على أن أعظم ما يتركه الإنسان خلفه ليس ما يجمعه من مال، بل ما يزرعه من علم، وما يصنعه من فرص، وما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
شكراً لكل يد امتدت بالعطاء، ولكل قلب آمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، فالأثر الطيب لا ينتهي برحيل أصحابه، بل يظل حياً في الأجيال التي تصنع المستقبل.




