نادين علم الدين.. تفوقٌ يزهر من وجع الفقد.. ودعوة لتكريم ابنة الشهيد بما يليق بتضحيات والدها

كتب: انتصار تقلاوي
في الوقت الذي تترك فيه الحرب جراحها الغائرة في قلوب الأسر السودانية، وتغيب فيه وجوهٌ عزيزةٌ دفعت أرواحها ثمناً للكرامة والوطن، تخرج نادين علم الدين خليفة محمد طاهر لتكتب فصلاً من فصول الصمود، وتثبت أن أبناء الشهداء قادرون على صناعة الفرح من قلب الحزن، وأن التفوق قد يكون أبلغ رسائل الوفاء لمن رحلوا وهم يحملون أحلام الوطن على أكتافهم.
نادين، ابنة الشهيد البطل علم الدين خليفة محمد طاهر، الذي استُشهد في معارك الفاشر، أحرزت 275 درجة في امتحانات المرحلة المتوسطة، محققةً تفوقاً يستحق الاحتفاء والتقدير.
هذا النجاح حكاية إرادة لفتاة تمضي في طريق العلم رغم مرارة الفقد، وتحمل في ذاكرتها صورة أبٍ غاب جسده، وبقيت تضحياته حاضرةً في وجدانها ووجدان كل من يعرف معنى الشهادة والوطن.
لقد أحسنت قيادة سلاح المهندسين حين أوفدت ممثليها إلى منزل أسرة الشهيد بالكلاكلة، حي الصفا، لتكريم نادين ونقل تحايا وتهاني قائد السلاح اللواء الركن ظافر عمر عبدالقادر، في خطوة تجسد الوفاء لرجال قدموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن، وتؤكد أن رعاية أسر الشهداء ينبغي أن تظل مسؤولية أخلاقية ووطنية لا تسقط بالتقادم.
إن هذا التكريم يستحق الإشادة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام دعوة أوسع: أن تتسع دائرة التكريم لتشمل كل الجهات الرسمية والمجتمعية والمؤسسات التعليمية والخاصة، وأن تبادر إلى الاحتفاء بنادين وتقديم ما تستحقه من دعم ورعاية وتشجيع.
إننا لا ندعو إلى تكريم نادين لأنها ابنة شهيد فحسب، بل لأنها طالبة مجتهدة أثبتت جدارتها بالتفوق، ولأن نجاحها، في ظل تجربة الفقد التي تعيشها أسرتها، يحمل قيمة إنسانية تستحق أن تجد طريقها إلى قلوب الناس ومؤسسات الدولة والمجتمع. ومن حق هذه الفتاة أن ترى أن وطنها الذي ضحى والدها من أجله يقف إلى جانبها، ويأخذ بيدها نحو مستقبل يليق بطموحها وتضحيات أسرتها.
إلى وزارة التربية والتعليم، وإلى حكومة ولاية كسلا وحكومة ولاية الخرطوم وإلى المؤسسات التعليمية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال وأهل المبادرات الإنسانية: إن نادين وأمثالها من أبناء الشهداء يستحقون أن يكونوا في مقدمة قوائم الرعاية والاهتمام. فلنجعل من تفوقها مناسبةً لإطلاق مبادرة وفاء حقيقية، لا تتوقف عند كلمات التهنئة أو شهادات التكريم، بل تمتد إلى منح دراسية، ورعاية تعليمية متواصلة، وتوفير فرص تفتح أمامها أبواب المستقبل.
إن تكريم المتفوقين من أبناء الشهداء ليس منّةً من أحد، وإنما هو تعبير عن تقدير المجتمع لتضحيات آبائهم، ورسالة وفاء تؤكد أن الوطن لا ينسى أبناءه الذين بذلوا أرواحهم في سبيله، ولا يترك أسرهم تواجه أعباء الحياة وحدها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لروح الشهيد علم الدين خليفة محمد طاهر أن نرى ابنته تواصل تعليمها، وتبلغ أحلامها، وتجد من يساندها في كل خطوة. فالشهداء لا تعوضهم الهدايا ولا تفي بحقهم كلمات الرثاء، لكن رعاية أبنائهم والوقوف إلى جانبهم صورة من صور الوفاء التي تمنح تضحياتهم معنى متجدداً في حياة الأجيال.
نادين تستحق أن يُحتفى بها، وأن يُفتح أمامها الطريق، وأن تجد من يقول لها بالفعل قبل القول: إن والدك لم يضحِّ من أجل وطن ينساك، وإن تفوقك أمانة في أعناقنا جميعاً.
ألف مبروك للمتفوقة نادين، ومزيداً من النجاح والتميز. الرحمة والمغفرة للشهيد علم الدين خليفة محمد طاهر ولكل شهداء الوطن، والتحية لكل أسرة صابرت على الفقد، وما زالت تزرع الأمل في أرضٍ أنهكتها الحرب.





