انتصار تقلاوي تكتب: مفوضية العون الإنساني بكسلا.. من ساحات إيواء النازحين إلى صناعة جيش من المتطوعين

بقلم: انتصار تقلاوي
من ساحات إيواء النازحين، حيث تتقدم المسؤولية الإنسانية لتلبية احتياجات المتأثرين وتخفيف معاناتهم، إلى قاعات التدريب والتأهيل، تمضي مفوضية العون الإنساني بولاية كسلا، بقيادة الأستاذ إدريس وارأب، في مسار تتسع فيه دائرة العمل من الاستجابة للاحتياجات العاجلة إلى بناء القدرات وصناعة متطوعين يمتلكون المعرفة والمهارة، ويستطيعون تحويل روح المبادرة إلى عمل إنساني منظم ومحترف.
إنها رحلة تبدأ من الميدان، حيث تتجلى قيمة العطاء في خدمة الإنسان، وتمتد إلى التدريب الذي يؤسس لمرحلة جديدة من العمل التطوعي، قوامها التخطيط السليم، والإدارة المؤسسية، والجودة في الأداء، والقدرة على إحداث أثر مستدام في المجتمع.
ولأن العمل الإنساني لا تقف حدوده عند تقديم المساعدات وتوفير الاحتياجات، فإن بناء الإنسان القادر على إدارة المبادرات وتنفيذ المشروعات يمثل استثماراً حقيقياً في مستقبل العمل التطوعي. من هنا تأتي أهمية الورشة التدريبية النوعية التي دشنتها المفوضية حول مفاهيم العمل التطوعي والإنساني والتنموي، بمشاركة المنظمات الوطنية والهيئات الشبابية، وبالتعاون مع الجمعية الإيطالية للتضامن بين الشعوب (CISP) ومنظمة قرى الأطفال SOS السودان.
إن صناعة جيش من المتطوعين لا تعني حشد الأفراد فحسب، وإنما تعني إعداد كوادر مؤهلة، تعرف واجباتها، وتتقن أدواتها، وتعمل وفق رؤية واضحة ومعايير مهنية تضمن وصول الجهود الإنسانية إلى مستحقيها. فالحماسة وحدها، مهما بلغت، لا تكفي لإدارة مشروع إنساني ناجح، ما لم تسندها المعرفة والتخطيط والقدرة على توظيف الموارد وتحقيق النتائج.
وهنا تتجلى أهمية الخطوة التي تتبناها مفوضية العون الإنساني بكسلا؛ فالانتقال من الاستجابة الميدانية إلى بناء القدرات يعكس توجهاً نحو تطوير منظومة العمل الإنساني، بحيث لا تظل المبادرات رهينة الاجتهادات الفردية، بل تتحول إلى جهود مؤسسية أكثر تنظيماً واستدامة.
فالمنظمات الوطنية والهيئات الشبابية تمثل ركيزة مهمة في الاستجابة للاحتياجات المجتمعية، بحكم قربها من المواطنين ومعرفتها بتفاصيل واقعهم. غير أن فاعلية هذا الدور تظل مرتبطة بمدى امتلاكها أدوات الإدارة الحديثة، والقدرة على إعداد المشروعات، وتحديد الأولويات، وقياس النتائج، وتقديم التقارير التي تعكس حجم العمل وأثره.
ومن هذا المنطلق، ركزت الورشة على محاور أساسية تشمل إدارة المشروعات الإنسانية، وترسيخ المفاهيم والإجراءات المؤسسية، وتطبيق معايير الجودة، وتصميم المقترحات، وإعداد التقارير التنموية؛ وهي مهارات تشكل الفارق بين مبادرة تمتلك النوايا الطيبة وأخرى تستطيع تحويل تلك النوايا إلى برامج عملية تحقق أهدافها بكفاءة.
وقد أكدت الدكتورة آية أحمد فكي حامد، مدير مشروع بالجمعية الإيطالية للتضامن بين الشعوب (CISP)، أهمية الموضوعات المطروحة في ترسيخ أسس الإدارة المؤسسية للعمل الإنساني، معربة عن شكرها لمفوضية العون الإنساني على إتاحة هذه الفرصة التدريبية.
كما أوضح صلاح الدين زكريا محمد، ضابط البرامج بمنظمة قرى الأطفال SOS السودان، أن الورشة تناولت محاور تمثل أساس النجاح في العمل التنموي، وفي مقدمتها الجودة والتخطيط وتصميم المقترحات وكتابة التقارير، مؤكداً استمرار المنظمة في دعم المبادرات المجتمعية وتعزيز العمل المشترك لخدمة إنسان كسلا.
إن وجود هذه الشراكات يفتح آفاقاً مهمة أمام تطوير قدرات المنظمات الوطنية، والاستفادة من الخبرات المتخصصة في بناء مشروعات أكثر فاعلية. فالشراكة الناجحة لا تقتصر على تنفيذ نشاط تدريبي، بل تمتد إلى تبادل المعرفة، وتطوير الأداء، وتهيئة المنظمات المحلية لتكون أكثر قدرة على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية والتنموية.
وبالنظر إلى حجم المسؤوليات التي يفرضها العمل الإنساني، فإن الرهان الحقيقي أمام المفوضية وشركائها يتمثل في تحويل مخرجات الورشة إلى ممارسة يومية داخل المؤسسات. فنجاح التدريب لا يقاس بعدد المشاركين أو ساعات التأهيل، وإنما بما يتركه من تغيير في طريقة التخطيط والتنفيذ، وما يحققه من تحسن في جودة المشروعات والخدمات المقدمة للمواطنين.
ومن هنا، تبرز أهمية مواصلة برامج التأهيل، وتوسيع قاعدة المستفيدين منها، ومتابعة تطبيق المهارات المكتسبة، إلى جانب تعزيز التنسيق بين المفوضية والمنظمات الوطنية والهيئات الشبابية. فالمتطوع المؤهل ليس مجرد فرد يقدم جهداً إضافياً، بل عنصر فاعل في منظومة قادرة على الاستجابة المنظمة للاحتياجات، والمساهمة في برامج التعافي والتنمية المجتمعية.
الأستاذ إدريس وارأب ومفوضية العون الإنساني بكسلا أمام فرصة مهمة لترسيخ تجربة تجعل من التأهيل والتخطيط والعمل المؤسسي ركائز أساسية في مسيرة العطاء الإنساني بالولاية. فالميدان يحتاج إلى أيادٍ تمتد بالعون، كما يحتاج إلى عقول تعرف كيف تدير الموارد، وتنظم الجهود، وتضمن استمرارية الأثر.
من ساحات إيواء النازحين، حيث تتجسد المسؤولية في مواجهة الاحتياجات الإنسانية، إلى قاعات التدريب التي تُبنى فيها القدرات، تتشكل ملامح تجربة تسعى إلى توسيع مفهوم العطاء، والانتقال به من الاستجابة العاجلة إلى العمل المؤسسي المنظم.فحين تلتقي روح التطوع بالتأهيل، وتُسند المبادرة إلى التخطيط، يصبح العطاء أكثر كفاءة، وتغدو خدمة الإنسان رسالة تتجاوز اللحظة إلى بناء مستقبل أفضل للمجتمع.



