رأي

عوض الكريم إبراهيم محمد يكتب: لابد من العين اليغظة لقيادة الدولة الحصة وطن

بقلم :عوض الكريم إبراهيم محمد
منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها الجيش تدخله لاستعدال مسار الدولة السودانية، كان واضحًا لكل ذي بصيرة أن أخطر ما يهدد السودان ليس فقط الفوضى في الشارع، بل الاختراق العميق والمنظم الذي طال مفاصل الدولة نفسها. يومها تعالت الأصوات الوطنية الصادقة مطالبةً بإزالة هذا الاختراق، واستئصال جذوره، وتجفيف منابعه، لأن الدولة لا تُبنى بوجود خلايا تعمل ضدها من داخلها.
لكن ما الذي حدث؟
لم تُزال الأورام، بل تُركت لتنمو.
لم يُشهر مبضع الجراحة، بل وُضع في غمده.
ولم تُستعد الدولة، بل تُركت نهبًا لمن لا يؤمنون بها أصلًا.
لم تكن الخدمة المدنية وحدها مسرح هذا العبث، بل كل أجهزة الدولة: سيادية، اقتصادية، خدمية، أمنية، واجتماعية. دولة مخترقة من الرأس حتى أخمص القدمين، ثم نُسأل بعد ذلك: لماذا انهارت؟ ولماذا اشتعلت الحرب؟ ولماذا وصل التمرد إلى هذا العمق؟
خلال عامين فقط، تمكّن بنو قحت من السيطرة شبه الكاملة على مفاصل الدولة السودانية. سيطرة لم تكن من أجل الإصلاح ولا الانتقال ولا بناء مؤسسات حديثة، بل كانت سيطرة انتقامية، إقصائية، تخريبية، قائمة على تصفية الحسابات، وتفريغ الدولة من كفاءاتها، وتحويل مؤسساتها إلى أدوات صراع سياسي رخيص.
الآلاف من أبناء السودان، من ذوي الخبرة والتجربة والكفاءة، تم إبعادهم قسرًا تحت لافتة زائفة اسمها «محاربة الكيزان»، بينما الحقيقة كانت تفريغ الدولة من عقولها، وفتح الأبواب على مصاريعها لمرتزقة السياسة، وأصحاب الأجندات، ومن لا يحملون إلا الحقد والضغينة، ورؤوسهم خاوية من أي تجربة أو قيمة أو التزام وطني.هؤلاء لم يأتوا صدفة، ولم يُفرضوا عبثًا، بل جرى إعداد المسرح لهم بعناية. وكان ذلك هو التمهيد الحقيقي لانقلاب دقلو – فولكر.وحين اندلعت الحرب، انكشف المستور، وسقط القناع، وظهر أن كثيرًا ممن جلسوا على كراسي الدولة كانوا مشروع خيانة مؤجل.
ورغم اشتعال الحرب، ورغم الدم، ورغم الخراب، ورغم وضوح الخطر، لم يُتخذ القرار الصعب.
لم تُطهر الدولة.
لم تُحاسب الخلايا النائمة.
بل الأسوأ، أن بعض من أعلنوا عداءهم الصريح للجيش والدولة ظلوا في مواقعهم، يتقاضون رواتبهم من مال الشعب، ويتآمرون في وضح النهار، دون أن يردعهم رادع، أو يوقفهم قانون، أو يحاسبهم ضمير غائب.رأينا هذا العبث في وزارة الخارجية، وفي الصحة، وفي المالية والبترور وليس هجليج عنا ببعيده والذين ظهروا مع التمرد وفي البنوك، حتى في بنك السودان رمز السيادة الاقتصادية. رأيناه في الكهرباء، والسدود، والمؤسسات الاجتماعية، ولم يسلم حتى القطاع الداعم ، الذي يُفترض أن يكون ملاذ الفقراء، فإذا به يُستباح سياسيًا وأخلاقيًا.
وهنا يفرض السؤال نفسه، سؤالًا مخيفًا لا يجوز الهروب منه:
كم عدد العملاء الذين لم تنكشف أوراقهم بعد؟
كم من الموالين لقحت والتمرد ما زالوا يعبثون في صمت؟
كم من القرارات تُخرب من الداخل قبل أن ترى النور؟
ما نشهده اليوم ليس صدفة، بل نتيجة طبيعية لهذا التراخي القاتل.
تفشي الرشوة.
انعدام المسؤولية.
تآكل هيبة الدولة.
واختراق حتى أعلى مستويات القرار.
والأخطر من كل ذلك، هو الاستهداف الممنهج للمؤسسات الخدمية الحساسة: السدود، الكهرباء، المياه، ثم استهداف الولاة أنفسهم، كما جرى في النيل الأبيض.
هذا ليس عمل تمرد معزول، بل عمل دولة مخترقة كيف يتابع تغيير مكان الاجتماع ويستهدف
يا برهان…
يا جابر…
لن ينفع وجود مجلس سيادة، ولا حكومة، ولا وزراء، ولا مؤتمرات، طالما أن الدولة من الداخل مليئة بالموالين والمخربين.
لن تُحسم الحرب، ولن يُهزم التمرد، طالما أن ظهر الدولة مكشوف، وطالما أن الجواسيس والعملاء وضعاف النفوس يعيثون فسادًا دون حساب.
الدولة لا تُدار بالمجاملات.
ولا تُحمى بالتردد.
ولا تُنقذ بالمسكنات.
نقولها لك بوضوح كامل:
إن لم تكن لك إرادة صارمة كإرادة د. عوض الجاز وعزم لا يلين كعزم د. مجذوب الخليفة، فلن تعبر بالسودان إلى برّ الأمان.
المطلوب اليوم ليس خطابًا، بل قرارًا.
ليس لجنة، بل مبضع جراحة.
ليس تسوية، بل حسم.
كل من تحوم حوله شبهة، كل من ثبت تواطؤه أو ولاؤه لغير الدولة، يجب إبعاده فورًا، دون تردد أو خوف أو حسابات سياسية بل يجب الردع القوي
غير ذلك، ستظل الدولة مترنحة، وسنظل نسأل: إلى أين نمضي؟ وأين سنرسو؟ وهل بقي في هذا الوطن متسع لمزيد من الغفلة والمجاملة
اللهم إني قد بلغت… اللهم فاشهد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى