رأي

فخري فركاوي يكتب: دم أسعد في أعناقنا جميعاً

بقلم / فخري فركاوي
بقلوب يعتصرها الحزن، ودّعت مدينة كسلا الشاب أسعد هاشم، الذي فارق الحياة متأثراً بإصابته إثر حادثة الطعن المروعة التي شهدها حي العرب مربع (12)، بعد أن أقدم شخص تحت تأثير مخدر الشبو على طعن عدد من المواطنين بصورة عشوائية ودون أي سبب.
رحم الله أسعد، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، ونسأل الله الشفاء العاجل لبقية المصابين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى سنظل نودع أبناءنا ضحايا لهذه السموم القاتلة؟
هذه الحادثة ليست الأولى التي ترتبط بتعاطي المخدرات في ولاية كسلا، وربما لن تكون الأخيرة إذا لم يتحرك الجميع بصورة جادة لإنقاذ الشباب وحماية المجتمع من خطر بات يتسلل إلى الأحياء والأسواق والمدارس والجامعات.
لقد تجاوزت المخدرات، وعلى رأسها الشبو، كونها مشكلة فردية أو سلوكاً منحرفاً لبعض الشباب، وأصبحت قضية أمنية واجتماعية وصحية تهدد استقرار المجتمع ومستقبل أجياله.
فهذا النوع من المخدرات لا يدمر صحة الإنسان فحسب، بل يفقده القدرة على التمييز والسيطرة على تصرفاته، ويدفعه أحياناً إلى ارتكاب أعمال عنف لا تخطر على بال، لتتحول لحظات من الغياب العقلي إلى مآسٍ تدفع ثمنها أسر بريئة وشباب في مقتبل العمر.
إن أخطر ما يواجه المجتمع اليوم ليس المدمن وحده، وإنما الشبكات التي تقف خلف انتشار هذه السموم، وتستغل حاجة الشباب وفراغهم وضعف الوعي لدى بعض الأسر لتوسيع دائرة الضحايا يوماً بعد آخر.
ولهذا فإن الحرب الحقيقية يجب أن تكون ضد تجار المخدرات ومروجيها، لأنهم يتاجرون في مستقبل المجتمع وأمنه واستقراره، ولا يقل خطرهم عن أي جهة تسعى إلى تخريب الوطن من الداخل.
المطلوب اليوم هو تشديد الرقابة على المنافذ والطرق التي تستخدم في التهريب، وتكثيف الجهود الأمنية والاستخباراتية لملاحقة الشبكات الإجرامية وتجفيف مصادر تمويلها، مع تطبيق عقوبات رادعة تضع حداً لهذا العبث بأرواح الناس.
لكن الحل الأمني وحده لا يكفي.
فالمدارس مطالبة بأن تجعل التوعية بمخاطر المخدرات جزءاً من رسالتها التربوية، والمساجد مطالبة بدورها في الإرشاد والتوجيه، والإعلام مطالب بإطلاق حملات مستمرة تكشف حقيقة هذه السموم وآثارها المدمرة، بينما يقع على عاتق الأسر مسؤولية أكبر في متابعة الأبناء والاقتراب منهم والاستماع إلى مشكلاتهم قبل أن يقعوا في براثن الإدمان.
كما أن توفير الأنشطة الرياضية والثقافية والمراكز الشبابية لم يعد أمراً ثانوياً، بل أصبح ضرورة لحماية الشباب من الفراغ الذي يمثل المدخل الأخطر إلى عالم المخدرات والانحراف.
وفي الوقت نفسه، فإن المدمن الذي يرغب في العلاج يحتاج إلى يد تمتد إليه لا إلى باب يُغلق في وجهه، لأن الإدمان مرض يحتاج إلى التأهيل والرعاية النفسية والاجتماعية حتى يعود صاحبه عضواً نافعاً في مجتمعه.
وقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن مواجهة المخدرات لا تتحقق بالحلول الأمنية وحدها، وإنما بمزيج من الحزم والوقاية والعلاج. فبعض الدول شددت العقوبات على المهربين والمروجين، وفي الوقت نفسه وفرت برامج متخصصة للعلاج والتأهيل، واهتمت بفتح الأندية الرياضية والمراكز الثقافية لاستيعاب الشباب وإبعادهم عن الفراغ واليأس.
وفي ولاية كسلا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لوضع خطة شاملة تشارك فيها الأجهزة الأمنية والجهات العدلية ووزارات الصحة والتربية والشباب والإعلام والإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، حتى تتحول مواجهة المخدرات إلى مسؤولية جماعية لا تستثني أحداً.
إن خسارة الشباب بسبب المخدرات ليست مأساة أسرية فحسب، بل خسارة للمجتمع كله، لأن الأمم تُبنى بسواعد أبنائها وعقولهم، وحين تضيع هذه الطاقات تضيع معها فرص المستقبل.
ولعل الفاجعة التي أودت بحياة الشاب أسعد هاشم تدفع الجميع إلى التعامل مع هذا الملف باعتباره قضية لا تحتمل التأجيل أو المجاملة، حتى لا نجد أنفسنا بعد سنوات نبكي على مزيد من الأرواح التي كان يمكن إنقاذها لو تحركنا في الوقت المناسب.
رحم الله أسعد هاشم، وجعل مثواه الجنة، وحفظ الله شباب كسلا والسودان من كل سوء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى