يسن عيسي يكتب: شهادة لله والتاريخ في حق الأستاذ إدريس علي محمد (واراب)

بقلم: يسن عيسي
ليست الكتابة في مدح الرجال من عادتي ولست من أصحاب الأقلام التي تجيد مديح الأشخاص أو تبحث لهم عن الصفات في ثنايا الكلمات. فأنا أؤمن أن الرجال الحقيقيون لا يحتاجون إلى من يعلى من شأنهم بالعبارات لأن مواقفهم هي التي تتحدث عنهم وأفعالهم هي التي تكتب سيرتهم والتاريخ وحده كفيل بأن ينصف من يستحق الإنصاف.
لكن هناك رجالاً يجبرونك على استنطاق قلمك لا لتمدحهم بماليس فيهم وإنما لتشهد بما رأيت من حسن افعالهم وجميل خصالهم وترفع للناس وللتاريخ لافتة مكتوب عليها … هنا الرجال حين احتاج الوطن إليهم …
ومن هؤلاء الأستاذ القدير إدريس علي محمد (واراب) مفوض العون الإنساني بولاية كسلا الذي أرى أن من الواجب أن أكتب عنه شهادة لا تحكمها المجاملة ولا تحركها الصداقة وإنما يمليها الحق والإنصاف.
ففي الخامس عشر من أبريل 2023 اندلعت الحرب فى الوطن الحبيب.. حرب لم يعرف لها مثيل في التاريخ الحديث…. وكانت الخرطوم معقل الحكم ومركز الدولة أول من تلقى الصدمة الكبرى، المدينة التي كانت تحتضن رئاسة الدولة والوزارات وكبار رجال الدولة ومؤسسات الأمن والدفاع، وتفتح مستشفياتها المتخصصة أبوابها لمرضى السودان من كل أقاليمه وولاياته وتحتضن جامعاتها ومعاهدها طلاب العلم القادمين من مختلف بقاع الوطن.
الخرطوم التي كان أهلها ينامون على قدر من الأمن والطمأنينة استفاقت في صباح ذلك اليوم على دوي المدافع والراجمات والرشاشات فيما كان الناس صياما في خواتيم شهر رمضان المبارك. وفي لحظات قليلة اختلط الحابل بالنابل وانقلبت الحياة راسا على عقب فساد خوف وانتشرت الفوضى وأصبح البحث عن الأمان هو الهم الأول للملايين ..
ثم لم تلبث الحرب أن امتدت إلى الجزيرة وقراها الآمنة ثم النيل الأبيض وسنار وغيرها من الولايات والمناطق والقرى وبدأت واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخ السودان الحديث. ترك الناس بيوتهم ومدنهم وقراهم حاملين معهم ما استطاعوا حمله من متاع تاركين خلفهم ذكريات عمر كامل وأحلاما لم يكن أحد يتصور أنها ستتوقف بهذه الصورة المفاجئة.
ومع اتساع رقعة الحرب تعطلت مؤسسات الدولة وتراجعت الخدمات وضاقت الموارد، وأصبحت الأزمة الإنسانية أكبر من قدرة المؤسسات وحدها على مواجهتها. وفي خضم هذا المشهد القاتم كان السودان يبحث عن ملاذات آمنة وكانت ولاية كسلا واحدة من الولايات التي فتحت أبوابها أمام النازحين.
وهنا كان الأستاذ إدريس علي محمد (واراب) في الموعد.
لم يتعامل الرجل مع الأزمة باعتبارها مجرد ملف إداري أو مسؤولية وظيفية وإنما تعامل معها باعتبارها قضية إنسانية و واجبا وطنياً ومسؤولية أخلاقية. وقف في موقعه بثبات يشبه صمود جبال التاكا الأبية يعمل في صمت ويوصل الليل بالنهار بهدير وجريان نهر القاش العظيم مستقبلاً النازحين القادمين من مختلف ولايات السودان بعفوية ودفء وبقلب مفتوح وروح إنسانية صادقة.
كان يتحسس احتياجاتهم ويستمع إلى شكواهم ويسعى إلى معالجة ما يستطيع من مشكلاتهم في ظل ظروف بالغة التعقيد وشح كبير في الإمكانات. وقد أنشأ وأشرف على أكثر من اثني عشر مركزاً للإيواء استقبلت ما يقدر بأكثر من 122 ألف نازح.
هذه الأرقام وحدها تكشف حجم المسؤولية لكنها لا تحكي القصة كاملة لأن خلف كل رقم إنسان وخلف كل أسرة حكاية وخلف كل طفل حلم انقطع وخلف كل امرأة أم تحمل وجعا ومسكن تركته خلفها وخلف كل مسن ذاكرة وطن اقتلعته الحرب من مكانه.
وهنا تكمن قيمة الأستاذ واراب.
فهو لم ير النازحين مجرد أرقام وإحصاءات في ملفات وتقارير وإنما رأى فيهم بشرا يحتاجون إلى من يسمعهم ويقف إلى جانبهم. كان يتابع أحوال المرضى ويهتم باحتياجات الأسر ويقف إلى جانب النساء والأطفال ويسعى إلى توفير ما يمكن توفيره من احتياجاتهم ويعمل على إيصال صوتهم إلى الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية.
وكانت المرأة الحامل التي تصل إلى مركز الإيواء في ظروف قاسية تجد من يلتفت إلى حاجتها والطفل الذي وجد نفسه فجأة بعيداً عن منزله ومدرسته وألعابه يجد من يمنحه شيئاً من الأمان والحنان. وهنا تحديداً تظهر قيمة المسؤولية الإنسانية فهي لا تقاس فقط بما تنجزه المؤسسات وإنما أيضاً بكيفية تعامل الإنسان مع الإنسان في لحظة ضعفه.
والأهم من ذلك أن النازحين الذين استقبلتهم كسلا لم يكونوا من منطقة واحدة ولا من قبيلة واحدة ولا من خلفية اجتماعية واحدة. جاؤوا من مختلف أقاليم السودان يحملون اختلافاتهم معهم لكن الحرب جعلتهم جميعاً أمام حقيقة واحدة: أن الإنسان حين يفقد الأمان يصبح في حاجة إلى أخيه الإنسان.
وكان التعامل معهم بمنطق المواطنة والإنسانية بعيداً عن الحسابات الضيقة في صورة تعكس روح المجتمع السوداني في تكافله مع المنكوبين والمحتاجين. وهكذا أصبحت كسلا بالنسبة إلى كثير من النازحين أكثر من مجرد ولاية استقبلتهم أصبحت مساحة أمان في زمن الخوف ونافذة أمل في زمن الانسداد.
وفي هذا المشهد كان إدريس علي محمد (واراب) واحداً من أولئك الذين حملوا العبء بصمت.
لطالما قيل إن المناصب لا تصنع الرجال وإنما الرجال هم الذين يمنحون المناصب قيمتها. وقد أثبتت الحرب هذه الحقيقة بوضوح. ففي أوقات الرخاء يستطيع الكثيرون أن يكونوا مسؤولين، وأن يتحدثوا عن القيم والمبادئ وخدمة الناس لكن عندما تضيق السبل وتقل الموارد وتتضاعف المسؤوليات ويصبح الإنسان في مواجهة مأساة تتجاوز قدراته هناك فقط يظهر معدن الرجال.
فكان الأستاذ ادريس علي محمد (واراب) حاضراً. لم يبحث عن الأضواء ولم يجعل من معاناة النازحين مناسبة لصناعة مجد شخصي وإنما ظل في الميدان يحمل مسؤوليته ويؤدي واجبه ويضع الإنسان في مقدمة اهتمامه.
ولذلك فإنني حين أكتب هذه الكلمات فانما اتحدث عن صناعة بطولة من خارج الواقع وأكتب شهادة لله والتاريخ شهادة لرجل من شرق السودان وجد نفسه في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها وطنه فاختار أن يكون حيث يجب أن يكون الإنسان إلى جانب الإنسان.
و يأتي يوم تطوى فيه صفحات هذه الحرب ويعود السودان إلى عافيته وتعود الخرطوم إلى الحياة وتعود الجزيرة وسنار والنيل الأبيض وكل المدن والقرى إلى أهلها ويبدأ المؤرخون في كتابة تفاصيل هذه المأساة. وعندما يبحثون عن أولئك الذين وقفوا إلى جانب النازحين وفتحوا لهم أبواب الأمل وخففوا عنهم شيئاً من قسوة الطريق ينبغي ألا تضيع أسماء الرجال الذين حملوا هذه المسؤولية.
قد يكون التكريم الرسمي مؤجلا وقد لا تكتب الصحف كل ما حدث وقد تمر السنوات وينشغل الناس بأحداث جديدة لكن المواقف الإنسانية الصادقة لا ينبغي أن تموت بالنسيان.
أخي وصديقي الأستاذ إدريس علي محمد (واراب) ربما لا تحتاج إلى هذه الكلمات وربما كنت ترى ما فعلته مجرد واجب. لكنني أكتبها لأن بعض الواجبات تستحق أن تُروى وبعض المواقف تستحق أن تحفظها الذاكرة وبعض الرجال يستحقون أن يقال لهم ولو بعد حين
لقد كنتم هناك عندما احتاجكم الوطن.
كنت هناك عندما جاء النازحون إلى كسلا يبحثون عن الأمان وكنت هناك عندما كانت الحاجة أكبر من الإمكانات وكنت هناك عندما كان يمكن للإنسان أن يختار الراحة لكنك اخترت أن تحمل المسؤولية.
فشكرا لك باسم كل يد امتدت إليها يدك وكل أسرة وجدت فيك سندا ، وكل طفل شعر في لحظة خوف بأن هناك من يرعاه وكل نازح وجد في شرق السودان بابا مفتوحاً.
ولتبق هذه الشهادة وثيقة بسيطة تقول للأجيال القادمة.
حين قعقع السلاح ودقت طبول الحرب… تحدثت الإنسانية.
وكان من بين الذين تكلموا الإنسانية من خلالهم رجلٌ من شرق السودان اسمه:
إدريس علي محمد (واراب).
نسأل الله أن يحفظ السودان وأهله وأن يرحم من فقدناهم ويشفي جرحانا ويفرج كرب النازحين ويرد المهجرين إلى ديارهم سالمين وأن يكتب لكل من وقف مع الإنسان السوداني في هذه المحنة أجره وفضله وأن يجعل من هذه المأساة بدايةً لسلام عادل ووطن يتسع لجميع أبنائه ويستعيد عافيته وكرامته وأمنه.





