عوض الكريم إبراهيم محمد يكتب: حين يغدوا السكوت جريمه والتوقف خيانة

بقلم: عوض الكريم إبراهيم محمد
لم يعد في السودان متسعٌ للأقنعة، ولا مكانٌ للغة المجاملة، ولا وقتٌ للانتظار. ما يجري اليوم ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، ولا صراع نخب، بل عملية إعادة تشكيل قسرية للدولة، تُدار بعقلية الغلبة، ويُكتب فيها المستقبل بمن يمتلك القوة والتنظيم والضغط، لا بمن يمتلك الحق أو التاريخ. وفي مثل هذه اللحظات، كل منطقة لا تفرض وجودها تُمحى من الخريطة السياسية، ولو كانت أصل الدولة وعمودها الفقري.
لقد دخل السودان مخاضًا عسيرًا لبناء مستقبل جديد ومشروع وطني يُفترض أن يكون جامعًا، لكن ما يحدث عمليًا هو العكس تمامًا. أطراف من هنا وهناك تتجاذب البلاد، كلٌّ يسحبها نحو برّ مصلحته، لا نحو شاطئ الوطن. واتفاق جوبا لم يكن إلا الإعلان الرسمي لانتهاء مرحلة “الوهم الوطني” وبداية مرحلة القسمة العلنية للسلطة والثروة.علي اساس الغلبة والخيانة وحملة السلاح
في تلك المائدة، جلس من امتلكوا السلاح والضجيج والابتزاز، وخرجوا بحقوقهم كاملة غير منقوصة حتي الطلاب دارفور نالوا نصيبهم علي حساب أهل الشمال
أما الشمال، فقد كان الغائب الحاضر، والضحية الصامتة، والورقة المحروقة. لم يُستشر، ولم يُمثّل تمثيلًا حقيقيًا، ولم يُحسب له حساب، لأن الذين ساقوا المفاوضات لم يسوقوها لصالح الأقاليم، ولا حتى لصالح أهلهم، بل لصالح جهات بعينها حتي الشخص الذي له موقف لصالح الدولة السودانية ويسعي لإنقاذ الشمال من تبعات التآمر والخسه والذبح تم اغتياله بتآمر من اعدوا المسرح جيدا
كيانات عسكرية محددة، رتبت نفسها مبكرًا، وأمنت نصيبها، ثم تركت الآخرين لمصيرهم.
ولا نقول الإقليم، بل نقولها بوضوح:
جهات بعينها استفادت، وأخرى دُفعت إلى الهامش.
ثم جاء تمرد 2023، فكشف كل شيء بلا رتوش.
اتضح أن الجميع كان قد أعدّ نفسه:
– إعداد سياسي
– إعداد عسكري
– شبكات مصالح
– خطوط تفاوض
– علاقات دولية
– سفارات ووكالات
– معدلات بين مكونات سياسية
– دول ومخابرات واسلاك والغام
إلا الشمال… إلا مروي.
لا تنمية تحمي المجتمع، ولا قوة تردع، ولا كيان سياسي يتحدث باسمه. وهكذا، كشّرت الحرب عن أنيابها، ودفعت مروي والشمال ثمن معادلات لم يكونوا جزءًا من صناعتها.
حتي دخلت الحرب في عقر دار مروي
واحدثت ما احدثت
بل استهداف المسيرات كان مركز علي مروي سدها ومحولاتها الكهربائية ومشاريع التنمية فيها حتي وصلوا ما أرادوا انقطاع الكهرباء لنصف عام
حتي مات الزرع وكاد ان يهلك الضرع
وهنا تبدأ الحقيقة المؤلمة التي لا بد من قولها كاملة:
أولًا:
في مسيرة البناء الوطني والعمل المحلي، اعتمدنا طويلًا على آخرين،
وفدوا من عواصم غربية وعربيه واقربهم كان في عواصم السودان البعيده ليس لهممعرفه بهموم وقضايا مرري
أشخاص ربما لا تربطهم بهذه الأرض رابطة حقيقية، ولا يعرفون تفاصيلها،ولا يعرفون أمري وما تعاني من ظلم بيبن لحق بهم
ولا يفهمون تركيبتها الاجتماعية، ولا يسمعون نبض أهلها. والأسوأ من ذلك، أن بعض هؤلاء البعيدين عن المنطقة جغرافيًا ووجدانيًا، نصبوا أنفسهم أوصياء على الشمال، يتحدثون باسمه، ويتفاوضون عنه، ثم ينظرون إلى أهله باعتبارهم أصحاب مصالح ضيقة، لا أصحاب حق. هكذا ضاعت الحقوق بين وصاية متعالية وصمت قاسٍ. ومازال هؤلاء يتمادون في غيهم وتحقيق مصالحهم الذاتيه
ثانيًا:
هناك أنصبة في السلطة – محلية وولائية ومركزية – تحتاج إلى مراجعة شاملة وحقيقية، لا مراجعة شكلية. مواقع شُغلت بلا وزن حقيقي، وتمثيل فُرض بلا تفويض، وأدوار أُعطيت لمن لا يملك لا القبول الشعبي ولا المعرفة الميدانية. هذه المعادلة المختلة هي أحد أسباب ما نحن فيه اليوم.
ثالثًا:
اتفاق جوبا، بصيغته الحالية، لم يعد صالحًا. الشمال تعرّض لنكبة حقيقية نتيجة طيش مليشيا الدعم السريع، وهي – شئنا أم أبينا – جزء من مكونات دارفور السياسية والعسكرية. ولا يعقل، ولا يُقبل، ولا يجوز، أن يُطلب من الشمال دفع ثمن مليشيا لم يربّها، ولم يسلحها، ولم يفاوض باسمها، ولم يحصد شيئًا من مكاسب اتفاقها.
رابعًا:
التنمية في الشمال متوقفة منذ سنوات طويلة، بل منذ عقود. لا خدمات تُذكر، ولا بنية تحتية، ولا إضافة حقيقية في حياة المواطن. مشاريع ضخمة أُقيمت، وأراضٍ صودرت، وموارد استُنزفت، بينما ظل الإنسان في مروي ينتظر الفتات، أو يُطالب بالصبر وكأن الصبر سياسة تنموية.
خامسًا:
هناك تغوّل سافر وفجّ على الأراضي. أصبحت الأرض نهبًا مباحًا، كل مسؤول يأتي يُصادق بالآلاف، بلا مساءلة، بلا شفافية، بلا اعتراض. وكأن الأرض بلا أهل، وكأن التاريخ لا قيمة له، وكأن مروي مجرد مساحة قابلة للبيع والتجريب.
سادسًا:
في كل اتفاقيات السودان، بند واضح يقول: أي منطقة يُقام فيها مشروع، لها نسبة من عائداته. لكن في الشمالية ومروي، توجد عدة مشروعات كبرى، ومع ذلك ما زالت حقوق المنطقة فيها محل تجاهل وتسويف. هذه الحقوق ليست منحة، بل استحقاق قانوني وأخلاقي، وتأخيرها أو القفز فوقها جريمة في حق أهل الأرض.
سابعًا:
الإدارات الحكومية المحلية – بحكم طبيعتها الوظيفية – لا تريد، أو لا تستطيع، الدخول في صراع مع المركز أو الولاية. هؤلاء موظفون، يمكن التضحية بهم في أي لحظة. أما الإدارة الأهلية، إذا قامت على إجماع حقيقي، فلا يمكن كسرها أو تجاوزها بسهولة، لأنها تستمد قوتها من الناس لا من القرار الإداري.
ثامنًا:
هناك فراغ قاتل في الإدارة الشعبية. لا مجالس شعبية، لا مراكز أهلية فاعلة، ولا أطر جامعة تعبّر عن صوت الناس. وهذا الفراغ هو الذي سمح لكل متطفل، ولكل طامع، ولكل سمسار، أن يتحدث باسم مروي دون تفويض.
تاسعًا:
تعرّض أهل الشمال إلى نكبة حقيقية مكتملة الأركان من قبل التمرد. فقد الناس الكثير والكثير من ممتلكاتهم ومدخراتهم، سُرقت الأموال، ونُهبت البيوت، وصودرت وسائل العيش في وضح النهار، بواسطة التمرد ومن شايعهم. وهنا يبرز السؤال الأخطر الذي لا يجوز الهروب منه:
من المسؤول عن استرداد هذه الحقوق؟
من يعيد للناس ما سُرق؟
ومن يجبر الضرر، ويرد المظالم إلى أهلها؟
ترك هذا الملف بلا حامل قوي هو جريمة ثانية تُضاف إلى الجريمة الأولى.
عاشرًا:
المجتمع المحلي اليوم بحاجة ماسّة لمن يأخذ بيده إلى برّ الأمان، لمن يرسل إليه رسالة تطمين حقيقية، لا شعارات جوفاء. السودان دولة احتمالات مفتوحة، سلمًا أو حربًا، والمجتمع لا يحتمل مفاجآت جديدة. المطلوب استعداد جاد لكل الاحتمالات: تنظيم، يقظة، حماية مجتمعية، وخطاب واضح يشعر المواطن بأنه ليس وحده، وأن هناك من يفكر ويستعد ويحمي.
إن المجلس الأعلى لأهالي مروي، إن لم يحمل هذه القضايا العشر بوضوح وصلابة، وإن لم يجعل من استرداد الحقوق، وجبر الضرر، وحماية الأرض، وبث الطمأنينة، جوهر وجوده، فلن يكون سوى اسم بلا مضمون. أما إذا قام على هذه الأسس، فسيكون الكيان الذي تأخر كثيرًا، والحصن الذي لم يُبنَ في الوقت المناسب.
من هنا، فإن قيام المجلس الأعلى لأهالي مروي ليس نزوة، ولا ردة فعل، ولا مشروع مواجهة مع الدولة، بل هو فعل بقاء. هو الحد الأدنى من التنظيم في زمن الفوضى، وهو صمام أمان في مرحلة لا تحمي فيها الدولة من لا يحمي نفسه.
هذا المجلس يجب أن يكون قويًا، صلبًا، واضحًا، لا يجامل السلطة، ولا يخضع للابتزاز، ولا يسمح بأن يُتخذ القرار نيابة عن أهل مروي مرة أخرى. مجلس يقطع الطريق أمام الطامعين، ويغلق أبواب الوصاية، ويقول بوضوح:
كفى تغييبًا…
كفى نهبًا…
كفى صبرًا بلا مقابل.
إن من لا ينظم نفسه اليوم، سيُفرض عليه غدًا ما لا يرضيه. ومن يظن أن الصمت حكمة، فليتأمل ما جناه الصامتون. المرحلة القادمة لا تعترف بالضعفاء، ولا تنتظر المترددين.
هنا مروي…
وهنا أهلها…
وهنا قرار لا يُصادر بعد اليوم.وانما رجال يماثلون البركل تاريخ وامتداد وقوة وصلابة وعزة وكبرياء بحعمون أهل مروي علي البر والتقوي وصالح الأعمال والبناء المستقبلي لهم
ََ




