فخري فركاوي يكتب:.اليد الواحدة ما بتصفّق… كسلا لا تحتمل خصومة الكبار

بقلم: فخري فركاوي
في كسلا، الناس يعرفون بعضهم جيداً.
يعرفون بعضهم في السوق، وفي المناسبات، وفي الأفراح والأتراح، ويعرفون أن الخلاف مهما كبر يمكن أن يجد له باباً إذا جلس الناس مع بعضهم.
لكن المشكلة تبدأ عندما يخرج الخلاف من مكانه الطبيعي، من النقاش والحوار، إلى الإعلام ومواقع التواصل، وعندما يبدأ البعض في التعامل معه وكأنه معركة بين قبيلتين أو بين أهل كسلا وأهل كسلا.
وهنا لا بد أن نقف قليلاً.
الخلاف بين والي كسلا اللواء ركن «م» الصادق محمد الأزرق والناظر محمد الأمين ترك أخذ مساحة أكبر مما ينبغي، ووصل في لحظة من اللحظات إلى درجة من التصعيد يمكن أن تفتح أبواباً لا يحتاجها أهل كسلا ولا شرق السودان.
وقد شهد يوليو الماضي تحركاً للوساطة قاده المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية محمد طاهر عمر، وأعلن فيها أن اللقاءات والمشاورات انتهت إلى طي صفحة الخلاف وتقريب وجهات النظر بين الطرفين.
وهذه خطوة جيدة، لكن السؤال: هل نكتفي بطي الصفحة، أم نضع طريقة تمنع عودة المشكلة مرة أخرى؟
أنا أرى أن الحل في كسلا لا يحتاج إلى كثير من الكلام.
يحتاج إلى جلسة.
جلسة حقيقية، بعيداً عن الكاميرات والهواتف ومواقع التواصل، يجلس فيها الوالي والناظر، ومعهما عدد محدود من حكماء كسلا وأصحاب الرأي والشخصيات التي تحظى باحترام الطرفين.
ولا نريد في هذه الجلسة خطباً طويلة ولا بيانات ولا انتصارات إعلامية.
نريد سؤالاً واحداً:
ماذا نريد لكسلا؟
الناظر ترك يتحدث عن مطالب أهله وقضايا الهدندوة والمشكلات التي يرون أنها تحتاج إلى معالجة. وهذا حقه في موقعه الأهلي، بل إن حمل قضايا أهله والدفاع عنها هو جزء من دوره.
والوالي يستمع إلى هذه المطالب، ثم يوضح موقف حكومة الولاية، وما تملكه من صلاحيات، وما لا تملكه، وما تستطيع أن تعالجه، وما يحتاج إلى مخاطبة الحكومة المركزية.
لأن المسألة ببساطة:
الناظر يحمل قضايا أهله، والوالي مسؤول عن الولاية كلها.
وهنا لا يوجد تعارض.
الناظر لا يمكن أن يكون والياً على كسلا، والوالي لا يمكن أن يكون ناظراً للهدندوة.
لكل واحد موقعه، واحترام الموقع هو الذي يجعل الحوار ممكناً.
والوالي، بحكم منصبه، لا يستطيع أن يتعامل مع كسلا على أنها مجموعة قبيلة واحدة. أمامه الهدندوة، والبني عامر، والحلنقة، والشكرية، والرشايدة، وكل المكونات الأخرى، وأمامه المدن والقرى والمحليات، وأمامه المواطن الذي يريد الماء، والمدرسة، والمستشفى، والطريق، والأمن، وفرصة العمل.
وهذا هو معنى أن يكون الرجل والياً.
أن يخرج من حدود أهله إلى مسؤولية الناس كلهم.
وهنا عندي ملاحظة أعتقد أنها مهمة.
كسلا ولاية صغيرة في مساحتها مقارنة بما أنجبته من رجال ونساء خدموا السودان كله. كم من أبناء كسلا تولوا وزارات ومؤسسات قومية، وذهبوا إلى الخرطوم، وإلى الشرق والغرب والشمال، وأداروا ملفات تخص كل أهل السودان؟
هؤلاء عندما جلسوا في مقاعد المسؤولية لم يقولوا: نحن أبناء كسلا، إذن سنعمل لأهل كسلا وحدهم.
أصبحوا رجال دولة.
وهذه واحدة من أجمل صفات أبناء كسلا.
عندما يتولى ابن كسلا منصباً عاماً، يصبح مسؤولاً عن الناس كلهم.
وهذا ما يفترض أن نفهمه أيضاً في حالة الوالي.
الصادق الأزرق عندما أصبح والياً على كسلا لم يصبح والياً على أهله وعشيرته وقبيلته، وإنما أصبح والياً على كل الولاية.
وإذا كان لأهله أن يفتخروا به، فالأجمل أن يفتخروا بأنه أصبح مسؤولاً عن الجميع.
لذلك لا أفهم كيف يمكن أن يتحول الخلاف السياسي أو الإداري إلى حملات إسفيرية ضد الرجل من بعض الشباب الذين يقولون إنهم يدافعون عن أهلهم.
يا شباب الهدندوة، دفاعكم عن أهلكم حق.
اطلبوا الخدمات.
اسألوا عن الطرق.
طالبوا بالمياه.
تحدثوا عن التعليم والصحة.
قدموا الشكاوى.
ناقشوا قرارات الحكومة.
قولوا للوالي أخطأت هنا وأصبت هناك.
هذا كله حق.
لكن لا تجعلوا الشتيمة وسيلة للدفاع عن الحقوق.
الشتيمة لا تقوي الحجة، والتجريح لا يحل مشكلة، والمنشور الغاضب لا يبني مدرسة ولا مستشفى.
والأهم من ذلك، أن الإساءة إلى الوالي بسبب منصبه قد تُفهم عند الآخرين باعتبارها إساءة إلى الدولة نفسها، أو إلى مكون اجتماعي آخر، وعندها نكون قد نقلنا المشكلة من مكانها الصحيح إلى مكان أخطر.
والولاية لا تحتمل ذلك.
لقد عرفت كسلا من قبل كيف يمكن لأهلها أن يتقدموا خطوة إلى الأمام عندما يشعرون بالخطر.
في أكتوبر 2023 وقعت 11 من النظارات والكيانات المجتمعية بالولاية وثيقة لتعزيز التعايش ونبذ خطاب الكراهية، وأكدت الوثيقة أن مؤسسات الدولة والخدمات ينبغي أن تظل بعيدة عن الانتماءات القبلية والسياسية.
إذن نحن لا نخترع شيئاً جديداً.
لدينا تجربة.
ولدينا حكماء.
ولدينا رجال دولة.
ولدينا أبناء كسلا الذين يعرفون كيف يجلسون مع بعضهم.
ولهذا أقترح أن نطلق مبادرة كسلا للحوار والمسؤولية المشتركة.
مبادرة بسيطة، لا تحتاج إلى مكاتب ولا ميزانيات كبيرة.
تبدأ بجلسة مغلقة تجمع الوالي والناظر، بحضور عدد محدود من الشخصيات التي يثق بها الطرفان.
في الجلسة توضع كل الملفات المختلف عليها على الطاولة.
مطالب الهدندوة تُكتب بوضوح.
رأي حكومة الولاية يُكتب بوضوح.
ما يمكن للوالي أن يعالجه يُحدد.
وما يتجاوز صلاحيات الولاية يُرفع إلى الجهة المختصة.
وما يحتاج إلى قرار إداري يُعالج إدارياً.
وما يحتاج إلى حوار أهلي يُترك لأهله.
ثم يتم الاتفاق على شيء مهم جداً:
ألا تعود الخلافات إلى مواقع التواصل قبل أن تمر أولاً عبر الحوار المباشر.
ويمكن أن يخرج الطرفان بعد ذلك برسالة قصيرة للناس:
نختلف في الرأي، لكننا لا نختلف على كسلا.
ثم تكون هناك لجنة صغيرة للمتابعة، تضم أشخاصاً من أصحاب الحكمة والخبرة، مهمتها ليست أن تحكم بين الوالي والناظر، وإنما أن تمنع سوء الفهم من أن يتحول إلى أزمة جديدة.
وهذه اللجنة يمكن أن تضم بعض أبناء كسلا الذين يعملون في المؤسسات القومية، لأن هؤلاء لديهم تجربة مهمة في إدارة الملفات بعيداً عن الحساسية القبلية.
وهنا أقول للناظر ترك:
أنت رجل له وزن اجتماعي، وكلمتك مسموعة عند أهلك. ولذلك فإن كلمتك يمكن أن تهدئ، ويمكن أن تزيد النار اشتعالاً.
وأعتقد أن أهل الهدندوة لا يريدون خصومة مفتوحة مع حكومة الولاية، وإنما يريدون حقوقاً ومطالب واضحة.
والطريق إلى الحقوق ليس دائماً برفع الصوت.
أحياناً تكون أقوى كلمة هي أن تجلس وتقول بهدوء: هذه مطالبنا، وهذا ما نريده.
وأقول لسعاده الوالي أيضاً:
أنت والي كسلا كلها.
اسمع للجميع، حتى من يختلف معك.
فالوالي لا يحتاج إلى أن يكون محبوباً من الجميع، لكنه يحتاج إلى أن يشعر الجميع بأنه يسمعهم ويعاملهم بعدل، وأن أبواب الحكومة مفتوحة أمامهم.
هذه هي الدولة.
وهذا هو الفرق بين المسؤولية العامة والمسؤولية الأهلية.
أما كسلا نفسها، فمشكلتها أكبر من الرجلين.
كسلا تحتاج إلى أن تتحرك إلى الأمام.
تحتاج إلى الاستثمار، والصحة، والتعليم، والمياه، والطرق، والزراعة، والخدمات، وفرص الشباب.
وتحتاج إلى أن يظل مشروع التنمية أكبر من أي خلاف.
فالناس لن تتذكر بعد سنوات من كان أكثر غضباً في منشور على فيسبوك.
ستتذكر من بنى مدرسة.
ومن فتح مستشفى.
ومن وفر الماء.
ومن شق الطريق.
ومن حفظ للناس أمنهم وكرامتهم.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية في كسلا يجب ألا تكون: من انتصر على من؟
بل:
من يستطيع أن يقدم لكسلا أكثر؟
هذا هو التنافس الذي نريده.
تنافس في التنمية، في الخدمات، في حل مشاكل الناس، وفي بناء المستقبل.
أما الخصومة المفتوحة، فإنها لا تنتصر فيها قبيلة ولا حكومة.
الخاسر فيها هو المواطن.
وأنا أعتقد أن الوقت قد حان لأن يقول عقلاء كسلا كلمتهم.
ليس مطلوباً من أحد أن يتنازل عن حقه.
وليس مطلوباً من أحد أن يسكت عن خطأ يراه.
لكن المطلوب أن نعرف كيف نختلف.
فالوالي سيغادر منصبه يوماً.
والناظر سيغادر موقعه يوماً.
لكن كسلا ستبقى.
ستبقى الجبال، والقاش، والقرى، والأسواق، والمدارس، والأطفال الذين لا علاقة لهم بكل هذا الصراع.
ولهؤلاء الأطفال تحديداً علينا أن نترك كسلا أفضل مما وجدناها.
خلونا نختلف، لكن لا نتخاصم.
خلونا نطالب، لكن لا نسيء.
خلونا نجلس، ونتكلم، ونختلف، ثم نمشي مع بعض.
فالبلد أكبر من الرجال.
وكسلا أولى بنا جميعاً.


