فخري فركاوي يكتب؛.الصورة التي اختصرت كسلا.. قبائل الشرق على منصة واحدة

بقلم: فخري فركاوي
في بعض المناسبات، لا تكون قيمة الاحتفال في عدد المكرّمين، ولا في الشهادات التي تُسلَّم، ولا حتى في الكلمات التي تُقال من على المنصة. أحياناً تكون قيمة المناسبة في المشهد الذي تتركه خلفها.
وهذا بالضبط ما شعرت به وأنا أتابع احتفال مبادرة كسلا المجتمعية بتكريم اللواء الركن عادل سبدرات ، والأستاذ عثمان عمر عثمان، والأستاذ إدريس علي محمد واراب، والأستاذ إدريس مداوي.
من الوهلة الأولى يبدو الأمر تكريماً لأربعة أشخاص، كل واحد منهم جاء من موقع مختلف: قائد عسكري، ومسؤول عن التعليم، ومسؤول عن العمل الإنساني، ومدير تنفيذي لمحلية. لكن عندما تنظر إلى الصورة كاملة، تكتشف أن المبادرة لم تكن تكرّم أربعة أشخاص فقط، وإنما كانت تحتفي بفكرة أكبر: أن خدمة المجتمع لا لون لها ولا قبيلة ولا وظيفة واحدة.
فاللواء سبدرات يقف في موقع ترتبط مسؤوليته الأولى بأمن الناس وحماية الاستقرار، وقد ظهر خلال الفترة الماضية في تحركات أمنية وميدانية بمحليات الولاية، من بينها حملات مشتركة لمواجهة الظواهر السالبة وتعزيز أمن المواطن.
والأستاذ عثمان عمر عثمان يأتي من ميدان آخر، هو ميدان التعليم وبناء الإنسان. وخلال عمله بوزارة التربية والتوجيه ظل حاضراً في ملفات الامتحانات والتعليم الفني واستقرار العام الدراسي، وفي ظروف لم تكن سهلة على المدرسة ولا المعلم ولا الأسرة.
أما إدريس علي محمد واراب، فقد ارتبط اسمه بواحد من أكثر الملفات حساسية في الولاية: الملف الإنساني. فقد عملت مفوضية العون الإنساني خلال السنوات الأخيرة وسط ضغوط النزوح والحاجة الإنسانية، مع تنسيق واسع مع المنظمات والشركاء، وهو الدور الذي حظي أيضاً بتقدير رسمي من حكومة الولاية في سبتمبر الماضي.
ويأتي إدريس مداوي من موقع الإدارة التنفيذية والخدمة اليومية المباشرة. وهذا موقع لا تمنحه البيانات الرسمية حقه أحياناً، لأن نجاح المدير التنفيذي لا يظهر دائماً في خبر، وإنما في شارع نظيف، وخدمة تتحسن، ومشكلة تُحل، ومؤسسة تفتح أبوابها أمام المواطن. وقد سبق أن حظي مداوي بتكريم من العاملين في المحلية تقديراً لما قدمه خلال فترة عمله، كما ظهر في عدد من المبادرات الخدمية والشراكات المجتمعية.
لكنني أعتقد أن كل هذه التفاصيل، على أهميتها، لم تكن هي أجمل ما في الاحتفال.
أجمل ما في الاحتفال كان تلك المنصة.
كانت المنصة في حد ذاتها رسالة.
أن يجلس على منصة واحدة أعيان وممثلو مكونات قبلية واجتماعية مختلفة في شرق السودان، ثم يُختار من بينهم العم كرار محمد علي، الأكبر سناً، ليتحدث بالإنابة عن أهل كسلا، فهذه ليست مجرد فقرة بروتوكولية.
كانت صورة تختصر كثيراً مما نحتاج إلى قوله عن كسلا.
رجل كبير في السن يتحدث باسم الجميع، وليس باسم قبيلته وحدها.
وهنا تحديداً توقفت عند معنى عميق في حديث اللواء عادل سبدرات، عندما تحدث عن القبلية وقال إنه لم يعرف قبيلته إلا بعدما كبر، وإن الإنسان لم يختر القبيلة التي وُلد فيها، ولذلك لا ينبغي أن يكون الانتماء القبلي هو معيار الفخر.
قد يختلف الناس في طريقة التعبير عن هذه الفكرة، لكن جوهرها يستحق التوقف: الإنسان لا يختار القبيلة التي يولد فيها، لكنه يستطيع أن يختار ماذا يفعل في حياته، وماذا يترك خلفه.
ولذلك كان أكثر ما أعجبني في حديثه عندما قال، بمعناه، إن الفخر الحقيقي يجب أن يكون بما أنجزه الإنسان وما قدمه، لا بمجرد الانتماء الذي وُلد فيه.
هذه الفكرة كانت موجودة أمامنا على المنصة قبل أن ينطق بها.
فقد كانت القبائل والمكونات المختلفة حاضرة، لكنها لم تكن حاضرة لتقول: نحن قبيلة كذا ونحن قبيلة كذا.
كانت حاضرة لتقول: نحن كسلا.
وهذه في تقديري هي الصورة التي تستحق أن تُحفظ وتُتداول.
فالحديث عن التعايش السلمي كثير، وربما أصبح من كثرة ما نردده عبارة مألوفة. لكن التعايش الحقيقي لا يحتاج إلى خطبة طويلة. أحياناً تكفي صورة واحدة.
صورة رجال يمثلون مكونات اجتماعية وقبلية مختلفة، يجلسون جنباً إلى جنب، ويقدمون كبيرهم سناً ليتحدث باسمهم جميعاً.
هذه هي كسلا التي نعرفها.
كسلا التي استقبلت النازحين في أصعب ظروف الحرب، وفتحت مدارسها ومراكزها ومجتمعها للوافدين، واحتاجت في الوقت نفسه إلى أن تحافظ على نسيجها الداخلي. وفي هذا السياق، لم يكن غريباً أن يصبح العمل الإنساني والتعليم والإدارة والأمن ملفات متداخلة؛ لأن المواطن في النهاية لا يعيش هذه الملفات منفصلة عن بعضها.
هو يحتاج إلى الأمن حتى يعيش.
وإلى التعليم حتى يبني مستقبله.
وإلى الخدمات حتى تستقيم حياته.
وإلى العمل الإنساني عندما تضربه الظروف.
ومن هنا أفهم اختيار هؤلاء الأربعة للتكريم.
سبدرات يمثل الأمن.
وعثمان يمثل التعليم.
وواراب يمثل العمل الإنساني.
ومداوي يمثل الإدارة والخدمة المحلية.
لكن الرابط الحقيقي بينهم ليس المنصب.
الرابط هو المواطن.
والمبادرة، حين اختارت أن تكرمهم معاً، كانت تقول إن المجتمع يرى العمل العام من زاوية مختلفة عن المكاتب الرسمية؛ زاوية تقول إن كل يد تعمل من أجل الناس تستحق كلمة شكر.
وقد لفتني أيضاً تواضع اللواء سبدرات عندما قال إن ما يقومون به هو واجبهم، وإنهم يتقاضون رواتب مقابل أعمالهم، لكن مثل هذه اللفتات تمنح العاملين دافعاً لمزيد من التجويد.
وهذه نقطة مهمة جداً.
المجتمع لا يكرّم المسؤول لأنه قام بواجبه فقط، وإنما يرسل له رسالة تقول: نحن نرى ما تفعل.
وفي زمن تكثر فيه الانتقادات وتقل فيه كلمات الشكر، تصبح كلمة الوفاء ذات قيمة كبيرة.
لهذا أعجبتني فكرة مبادرة كسلا المجتمعية.
أن يكون المجتمع هو الذي يقول للمسؤول: شكراً.
لا لأن المسؤول فوق النقد، ولا لأن التكريم يعني أن كل شيء أصبح مثالياً، وإنما لأن الاعتراف بالجهد لا يتعارض مع المطالبة بالمزيد.
بل ربما كان التكريم الصادق أحد أسباب استمرار المسؤول في العطاء.
وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن تفعله مثل هذه المبادرات هو أن تجعل التكريم عادة مجتمعية لا مناسبة عابرة؛ أن تكرم الجندي والمعلم والطبيب والعامل والموظف والشاب المتطوع والمرأة التي تعمل في صمت وكل شخص قدم شيئاً حقيقياً لمجتمعه.
فالمجتمعات لا تبنى بالقرارات الحكومية وحدها.
تبنى أيضاً بثقافة الوفاء.
وكسلا، بما تحمله من تنوع اجتماعي وثقافي وقبلي، تحتاج إلى مثل هذه الصور أكثر من غيرها.
لأن رسالتها يجب أن تكون واضحة: الاختلاف بيننا ليس مشكلة، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا عرفنا كيف نحوله إلى شراكة.
وإذا كانت هناك صورة واحدة سأحتفظ بها من هذا التكريم، فلن تكون صورة المكرمين الأربعة وحدهم.
ستكون صورة المنصة التي جمعتهم مع أعيان ومكونات كسلا المختلفة.
لأن تلك الصورة قالت، من دون مكبر صوت:
لسنا قبائل متجاورة فقط…
نحن مجتمع واحد.
وهنا تكمن قيمة التكريم الحقيقي.
لم تكرم مبادرة كسلا المجتمعية أربعة رجال فحسب؛ بل صنعت، ولو للحظات، مشهداً كانت فيه كسلا كلها هي المكرَّم الحقيقي.
كسلا التي تختلف في أصولها، وتتفق في مصيرها.
كسلا التي تتعدد فيها المكونات، ويجمعها المكان.
كسلا التي يمكن أن تكون فيها القبيلة جزءاً من الهوية، دون أن تصبح جداراً يفصل الناس عن بعضهم.
وهذا هو التعايش الذي نحتاجه: ليس كلاماً يقال في المناسبات، وإنما سلوكاً نراه بأعيننا.
ولذلك كانت تلك المنصة، في رأيي، أهم من كل الكلمات التي قيلت فيها.
كانت لوحة كسلا الحقيقية.
لوحة تقول إن الشرق، رغم كل ما مر به، ما زال قادراً على أن يجلس أبناؤه معاً… وأن يقولوا للعالم إن اختلافنا لا يمنعنا من أن نكون وطناً واحداً.



