محمد أدم يكتب: التأمين الصحي في زمن الأزمات .. صمود المنظومة واستمرار الرسالة

بقلم: محمد ادم
في أوقات الأزمات، تختبر المؤسسات قدرتها الحقيقية على الصمود، وتُقاس قوة المنظومات ليس بما تملكه من إمكانات في الظروف الطبيعية، وإنما بقدرتها على الاستمرار عندما تشتد التحديات وتتسع الاحتياجات.وفي مثل هذه الظروف، تصبح الخدمات الصحية أكثر من مجرد خدمة ؛ إنها ضرورة إنسانية لا تحتمل الانتظار، ويصبح الحفاظ على استمراريتها مسؤولية تتجاوز حدود العمل المؤسسي لتلامس حياة الناس وأمنهم واستقرار أسرهم.
ومن هنا تتجلى أهمية التأمين الصحي، باعتباره إحدى ركائز الحماية الاجتماعية ، وأحد أهم الآليات التي تسعى إلى توفير الرعاية الصحية للمواطنين وتخفيف الأعباء عن كاهل الأسر، خصوصاً في أوقات الأزمات التي تتضاعف فيها الاحتياجات وتتراجع فيها قدرة الكثيرين على تحمل تكاليف العلاج.
لقد فرضت الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد واقعاً جديداً على المؤسسات الصحية، واقعاً تتداخل فيه التحديات الاقتصادية واللوجستية والإدارية مع ارتفاع الحاجة إلى الخدمات الصحية. إلا أن هذه التحديات لم تكن سبباً للتراجع عن الرسالة، بل أصبحت دافعاً لمزيد من العمل والبحث عن البدائل وتعزيز التنسيق والشراكات وتطوير الأداء
وفي الصندوق القومي للتأمين الصحي – فرع ولاية كسلا، تظل الرسالة واضحة: استمرار الخدمة، وحماية حق المؤمن عليه، والعمل على تحسين الأداء مهما كانت التحدياتإن استمرار منظومة التأمين الصحي في أداء دورها خلال الأزمات لم يكن أمراً تلقائياً، وإنما هو ثمرة جهود العاملين في مختلف مواقع العمل؛ من الإدارات والوحدات التنفيذية والمحليات، إلى منافذ تقديم الخدمة والمؤسسات الصحية والصيدليات والمعامل وكل من يقف في الصف الأول لخدمة المواطن.
هؤلاء العاملون يمثلون الوجه الحقيقي للمؤسسة، وهم الذين يحولون الخطط والسياسات إلى خدمة تصل إلى المواطن في الميدان. ولذلك فإن الصمود المؤسسي يبدأ من الإنسان؛ من الموظف الذي يؤدي واجبه، ومن مقدم الخدمة الذي يواصل عمله، ومن الإدارة التي تبحث عن الحلول، ومن الشريك الذي يساند استمرار الخدمة.
وفي زمن الأزمات، لا يكفي أن نحافظ على ما هو قائم، بل يصبح التطوير ضرورة. فالأزمات تكشف مواطن الضعف، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام إعادة ترتيب الأولويات، وتحسين استخدام الموارد، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الرقابة والمتابعة، والاستفادة من التكنولوجيا، وتوسيع الشراكات.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن استمرارية التأمين الصحي لا ينفصل عن الحديث عن الجودة والكفاءة. فكل مورد يتم استخدامه بصورة صحيحة، وكل إجراء يتم تبسيطه، وكل دقيقة يتم اختصارها في رحلة المواطن للحصول على الخدمة ، وكل مشكلة يتم اكتشافها ومعالجتها هي خطوة في بناء منظومة أكثر قدرة على الصمود .
كما أن الشراكة تظل أحد أهم مفاتيح الاستمرار ، فالتأمين الصحي لا يعمل بمعزل عن المنظومة الصحية ، وإنما يتكامل مع وزارة الصحة ، ومقدمي الخدمة ، والكوادر الطبية والصحية ، والمؤسسات الدوائية ، وكذلك المجتمع والمانحين والممولين ، وجميع الجهات ذات الصلة ، وكلما اتسعت دائرة التعاون أصبحت القدرة على مواجهة التحديات أكبر .
ولأن الأزمات لا يجب أن تكون مبرراً لتراجع الجودة ، فإن الاستثمار في التدريب وبناء القدرات وتطوير نظم العمل يظل ضرورة مستمرة ، فالمؤسسة القوية هي التي تتعلم من التحديات ، وتراجع تجربتها وتصحح مسارها ، وتستعد للمستقبل .
إن رسالة التأمين الصحي لا تتغير بتغير الظروف ، قد تتبدل الوسائل وقد تتعاظم التضحيات وقد تنضب الموارد ، لكن الهدف يكون ثابتاً : الإنسان أولاً .. والخدمة الصحية حق .. واستمرارية المؤسسة مسئولية .
وفي ولاية كسلا التي ظلت تستقبل وتحتضن أعداداً كبيرة من المواطنين فيظل الظروف التي تمر بها البلاد ، تزداد أهمية الدور الذي يضطلع به التأمين الصحي في دعم الاستقرار الصحي والاجتماعي ، وفي ضمان وصول الخدمات الصحية الى أكبر شريحة ممكنة من المستفيدين .
إننا لا ننظر الى الصمود باعتباره مجرد القدرة على البقاء ، بل نراه قدرة على الاستمرار والتكيف والتطوير ، فالمؤسسة التي تصمد أمام الأزمة ، ثم تخرج منها أكثر تنظيماً وكفاءة وخبرة هي المؤسسة التي نجحت في تحويل التحدي الى فرصة .
وهنا تأتي مسئولية المرحلة . أن نواصل البناء على ما تحقق ، وأن نعزز ثقافة الجودة ، وأن نوسع التدريب ، وأن نقترب أكثر من المواطن ونستمع الى صوته ، وأن نجعل من كل ملاحظة فرصة للتحسين ، ومن كل ملاحظة مدخلاً للتطوير .
إن التأمين الصحي في زمن الأزمات ليس مجرد منظومة تقدم خدمات ، إنه : رسالة تضامن وحماية وأمل .
رسالتنا اليوم ونحن نواصل الطريق أن نثبت أن الأزمات مهما اشتدت لا تستطيع أن توقف إرادة العمل ، وأن المؤسسات التي تستمد قوتها من رسالتها ومن العاملين فيها ومن ثقة المجتمع ، قادرة على الاستمرار والتعافي .
سنستمر لأن صحة الانسان لا تنتظر ..
وسنطور لأن التحديات لا تعفينا من الجودة وسنصمد لأن رسالتنا أكبر من الأزمة ..
التأمين الصحي في زمن الأزمات .. صمود منظومة واستمرار رسالة ، وانحياز دائم للإنسان .



