فخري فركاوي يكتب: نداء للبنوك أم هروب من المسؤولية

بقلم فخري فركاوي
خرج السيد رئيس الوزراء بنداء إلى البنوك يطالبها بمعالجة مشاكل التطبيقات حتى تخف المعاناة عن المواطن، وكان يقصد تطبيق بنك الخرطوم تحديداً. وقال إن الضائقة المعيشية سببها حرب اقتصادية على البلاد.
وبعد النداء ساء الحال. توقف التطبيق أياماً، ومعه توقفت حياة الناس. فالمواطن لا يعرف شيئاً عن الحرب الاقتصادية، لكنه يعرف جيداً أنه وقف أمام دكان الخضار ولم يستطع أن يدفع ثمن كيلو طماطم، وأن الهاتف في يده ولا فائدة منه.
أقول بكل احترام: النداء لا يكفي. المواطن لا يحتاج إلى من يطلب من البنوك أن تتحسن، بل إلى من يملك السلطة ويصدر القرار ويتابع التنفيذ.
تطبيق واحد يحمل حياة شعب
لنكن صريحين. تطبيق بنك الخرطوم لم يعد مجرد خدمة مصرفية، فقد صار شريان الحياة اليومية. الأم تشتري به خبز أولادها، والعامل يستلم به أجره، والمغترب يرسل به لأهله، وبائع الشاي في الشارع لا يقبل غيره. حين يتوقف هذا التطبيق، تتوقف أسر كاملة عن الأكل، وليس البنك وحده.
وهذا يعني أن البلاد وضعت اقتصاد ملايين الناس كله في سلة واحدة. هذا خلل في التخطيط، ولا يُعالج بنداء ولا بخطاب.
إذا كانت حرباً فأين السلاح؟
إذا كنتم ترون أن ما نعيشه حرب اقتصادية، فنحن نصدقكم، ولكن في الحروب تُعدّ الخطط والبدائل والاحتياطات. فأين خطتكم؟ وأين البديل الذي يعمل حين يتعطل التطبيق الأول؟ وأين الخبراء الذين يعملون ليل نهار لحماية هذا الشريان؟
الجيش لا يدخل معركة بسلاح واحد وبلا ذخيرة احتياطية، فكيف يدخل اقتصاد دولة حرباً بتطبيق واحد؟ الحرب التي لا تُعدّ لها العدة لا تُسمى حرباً، بل تُسمى عجزاً.
والمواطن تعب من الوعود والهتافات. الأمر لم يعد سياسة ولا شعارات، بل صار لقمة عيش أصغر الناس وأضعفهم، من لا يملك رصيداً ولا مخزوناً ولا بديلاً.
ماذا فعل غيرنا؟
لسنا أول شعب يمر بأزمة، وبعض من سبقونا خرجوا منها أقوى مما كانوا. وهذه أمثلة بسيطة:
روسيا بعد العقوبات الغربية عام 2014، خافت من أن تُقطع عنها خدمات الدفع العالمية، فأنشأت نظام بطاقات وطنياً اسمه مير. وحين جاءت العقوبات الأكبر بعد ذلك، كان البديل جاهزاً. لم تنتظر حتى يقع الضرر ثم تطلق النداءات، بل جهزت نفسها قبل أن تحتاج.
الهند: أطلقت نظاماً موحداً للدفع الرقمي اسمه يو بي آي، وجعلته مفتوحاً لكل البنوك. فلا يوجد بنك واحد يتحكم في الجميع، وإذا تعطل بنك استطاع المواطن أن يستخدم غيره. وصار هذا النظام اليوم من أكبر أنظمة الدفع في العالم.
إيران: رغم العقوبات القاسية، بنت شبكة دفع داخلية تربط بنوكها، ولهذا استمر الناس في الشراء والبيع حتى في أصعب الظروف.
رواندا: خرجت من حرب أهلية مدمرة عام 1994، فركزت على الإدارة الجادة ومحاربة الفساد والتحول الرقمي، وحققت بعد ذلك نمواً اقتصادياً ملحوظاً. المهم أنها بدأت من الصفر ولم تضيع وقتها في البحث عمن تُلقي عليه اللوم.
ألمانيا واليابان: خرجتا من الحرب العالمية مدمرتين تماماً، ثم نهضتا بالعمل والتنظيم وإعادة بناء المؤسسات. لم تقل إحداهما إن الدمار سبب كافٍ للجلوس والانتظار.
والدرس واحد في كل هذه التجارب: الدول التي نهضت لم تتحدث كثيراً عن المؤامرة، وإنما عملت على بناء البدائل.
ماذا نطلب؟
ما نطلبه ليس مستحيلاً:
أولاً: تحميل البنوك المسؤولية رسمياً، مع جدول زمني واضح لإصلاح الأعطال، ومحاسبة من يقصّر.
ثانياً: تسريع إنشاء نظام دفع وطني موحد تشترك فيه كل البنوك، فلا يعتمد الشعب على تطبيق واحد.
ثالثاً: إتاحة بدائل مؤقتة لمن لا يستطيع استخدام التطبيق، مثل نقاط دفع ووكلاء معتمدين.
رابعاً: مصارحة الناس. إذا كان هناك خلل فني أو هجوم أو نقص في الإمكانات، فليقل المسؤول ذلك بوضوح، فالناس يفهمون الصراحة ولا يتحملون التسويف.
كلمة أخيرةسيدي رئيس الوزراء، الناس لا تطلب المستحيل. تطلب أن تعمل مؤسساتها حين تحتاجها، وأن يعرف المسؤول ما عنده من خطة. وإذا كانت الحرب الاقتصادية حقيقية، فالمواطن هو من يدفع ثمنها كل يوم، وأقل ما يستحقه أن يرى من يقاتل من أجله بالأفعال.



