رأي

فخري فركاوي يكتب: وقود كسلا… أزمة إمداد أم فوضى توزيع؟

بقلم: فخري فركاوي
ما زالت أزمة الوقود في ولاية كسلا تراوح مكانها، رغم أن عدداً من محطات الخدمة يفتح أبوابه يومياً ويستقبل المركبات. ومع ذلك، لا تزال الطوابير طويلة، والمواطن يقضي ساعات في الانتظار، بينما يجد آخرون الوقود في السوق السوداء، لكن بأسعار لا ترحم.
بحسب ما رصدناه ميدانياً، يصل سعر لتر البنزين في السوق السوداء إلى نحو 25 ألف جنيه في الفترة الصباحية، وينخفض إلى قرابة 19 ألف جنيه مساءً. وهي أسعار، إن صحت على هذا النحو، تضع المواطن أمام مفارقة مؤلمة: يقف ساعات أمام المحطة، وقد لا يحصل على حاجته، بينما يستطيع من يملك المال شراء الوقود من السوق الموازي في دقائق.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق إجابة واضحة: هل تعاني كسلا نقصاً حقيقياً في الوقود، أم أن جانباً من الأزمة يتعلق بطريقة توزيعه وتنظيم الحصول عليه؟
وجود محطات تعمل لا يعني بالضرورة أن الإمدادات تكفي حاجة الولاية، لكنه في الوقت نفسه يفرض علينا أن نسأل عن كفاءة التوزيع، وعدالة الحصص، والرقابة على ما يصل إلى المحطات وما يخرج منها.
فالأزمة ليست مجرد طوابير أمام المضخات. إنها ساعات عمل ضائعة، ومصالح تتعطل، وأجرة مواصلات ترتفع، وأسعار سلع تتأثر بزيادة تكلفة النقل. وفي النهاية، يدفع المواطن الثمن من وقته وجيبه، في وقت لم تعد فيه ميزانية الأسرة تحتمل أعباء جديدة.
لكن ما يثير القلق أكثر هو ما نلاحظه من تكرار بعض أصحاب المركبات، خصوصاً الدراجات النارية، الوقوف في الصف أكثر من مرة للحصول على حصص إضافية، بدلاً من إتاحة الفرصة لبقية المنتظرين. كما تثار شكاوى بشأن تكرار تعبئة الوقود لبعض أفراد القوات النظامية في محطات خدمة المواطنين.
هذه ملاحظات تستحق التحقيق والتحقق، لا إطلاق الأحكام على الجميع. فهناك أفراد يؤدون واجبات ضرورية، وهناك مواطنون يحتاجون إلى الوقود لكسب رزقهم، لكن الأزمة لا تسمح بأن يتحول الاحتياج إلى امتياز غير منظم، أو أن تصبح القدرة على تجاوز الصف وسيلة للحصول على حصة أكبر.القانون والنظام في مثل هذه الظروف يجب أن يحميَا حق المواطن، لا أن يتركا مجالاً للشكوى من تفاوت المعاملة.
أما السوق السوداء، فهي القضية التي تحتاج إلى وقفة جادة. كيف يتوافر الوقود بأسعار باهظة في أوقات يعجز فيها المواطن عن الحصول عليه من المحطات الرسمية؟ ومن أين تأتي هذه الكميات؟ وهل مصدرها مخزون سابق، أم تحويل غير مشروع للإمدادات، أم قنوات أخرى؟
لا يصح أن نتهم جهة بعينها من دون دليل، لكن من حق المواطن أن يطالب بتحقيق واضح في مصادر الوقود الذي يباع خارج القنوات الرسمية، ومراقبة حركة الإمداد من المستودعات إلى المحطات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التلاعب أو الاحتكار أو البيع غير المشروع.
والتجارب في إدارة أزمات الوقود تشير إلى أن زيادة الإمدادات وحدها قد لا تنهي الطوابير إذا لم يصاحبها تنظيم للطلب والبيع. وقد لجأت دول، خلال أزمات الإمداد، إلى تحديد الكميات المباعة للمركبات، واستخدام حصص مرتبطة ببياناتها، ومراقبة المبيعات، إلى جانب إجراءات لزيادة الإمداد وتخفيف الضغط على المحطات. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن تقنين الوقود يمكن أن يكون أحد خيارات إدارة الطلب في حالات النقص، مع ضرورة اختيار التدابير المناسبة ومراجعة آثارها باستمرار.
فلماذا لا تدرس حكومة ولاية كسلا تطبيق نظام عملي ومؤقت، يتناسب مع ظروف الولاية؟أولاً، إصدار بطاقة وقود لكل مركبة، ورقية أو إلكترونية، مرتبطة برقم اللوحة ونوع المركبة، تسجل كمية الوقود التي تحصل عليها وتاريخ التعبئة. وتُحدد الحصة بحسب الاستخدام والحاجة الفعلية؛ فالمركبة الخاصة ليست كسيارة الأجرة، والدراجة النارية التي يعتمد عليها صاحبها في كسب رزقه ليست كالمركبة التي تستخدم لأغراض غير أساسية.
ويجب أن يكون النظام بسيطاً، وألا يتحول إلى عبء إداري جديد على المواطن، مع وضع آلية واضحة للحالات الاستثنائية والمركبات التي لا تستطيع التسجيل فوراً.
ثانياً، تنظيم الصفوف داخل المحطات، ومنع تكرار التعبئة للمركبة نفسها خلال الفترة المحددة، إلا وفق استثناء معلن. ويمكن تسجيل رقم اللوحة والكمية المباعة في سجل موحد، بما يساعد على اكتشاف التكرار ويمنح إدارة المحطة والجهات الرقابية وسيلة عملية للمراجعة.
ثالثاً، تخصيص نقاط أو محطات لتزويد المركبات التابعة للقوات النظامية والجهات ذات المهام التشغيلية، بالتنسيق مع قياداتها والشرطة العسكرية، وبحصص موثقة تتناسب مع طبيعة الواجب. وإذا اضطرت مركبة نظامية إلى التزود من محطة مخصصة للمواطنين، فينبغي أن تخضع لإجراءات تنظيمية معلنة، وألا تتحول الصفة النظامية إلى طريق لتجاوز الصف أو الحصول على كميات إضافية خارج الضوابط.
هذا ليس انتقاصاً من دور القوات النظامية، بل تنظيم يحفظ احتياجاتها التشغيلية، ويصون في الوقت نفسه ثقة المواطن وعدالة التعامل معه.
رابعاً، إعلان أسماء المحطات العاملة يومياً، والكميات المتاحة فيها متى أمكن، وتحديد أوقات وصول الإمدادات. فالمواطن الذي يعرف أين يتجه يوفر وقته ووقود مركبته، وتقل حركة التنقل العشوائي بين المحطات، ويخف الضغط على المواقع الأكثر ازدحاماً.
خامساً، تكثيف الرقابة على المحطات والمستودعات ومسارات نقل الوقود، ومقارنة الكميات المستلمة بالمباعة والمخزنة، مع فتح قناة آمنة لتلقي البلاغات عن التجاوزات. ويجب أن تشمل الرقابة السوق السوداء ومصادر إمدادها، لا أن تقتصر على تنظيم الصفوف أمام المضخات.
سادساً، نشر تقرير يومي مختصر يوضح الكميات التي وصلت إلى الولاية، وما تم توزيعه على المحطات، وأسباب تعطل أي محطة عن العمل. وإذا كان النقص ناتجاً عن ضعف الإمدادات أو ارتفاع الطلب أو مشكلات النقل والتمويل، فمن حق المواطن أن يعرف الحقيقة، لأن الشفافية تقلل الشائعات وتساعد الناس على تنظيم احتياجاتهم.
ولا ينبغي أن نتجاهل أصل الأزمة. فالتقنين والبطاقات والتنظيم يمكن أن تقلل التكرار والتلاعب، لكنها لن تصنع وقوداً غير موجود. إذا كانت الكميات الواردة أقل من حاجة الولاية، فلا بد من معالجة الإمداد والنقل والتوزيع بالتوازي مع ضبط الاستهلاك.
لقد شهد السودان في الأسابيع الأخيرة أزمة وقود أوسع من ولاية كسلا، ربطت تقارير صحفية تفاقمها بصعوبات الإمداد والاستيراد وارتفاع التكاليف، إلى جانب نشاط السوق الموازية. وهذا يعني أن الحل المحلي مهم، لكنه يحتاج أيضاً إلى تنسيق مع الجهات الاتحادية المختصة لضمان وصول حصص كافية ومنتظمة إلى الولاية.
نحن لا نطلب المستحيل، ولا نطالب بأن تختفي آثار الأزمة بقرار واحد. كل ما نريده أن يشعر المواطن بأن هناك نظاماً عادلاً يدير المتاح، وأن من ينتظر دوره سيحصل على حقه، وأن من يتجاوز الضوابط سيخضع للمساءلة، أياً كانت صفته.
إن أزمة الوقود في كسلا تحتاج إلى ثلاثة أمور متلازمة: إمداد كافٍ، وتوزيع عادل، ورقابة لا تستثني أحداً.
فإذا كان الوقود قليلاً، فليُوزع بعدالة. وإذا كان متوافراً، فلا يجوز أن يظل المواطن أسيراً للطوابير، بينما يجد السوق الأسود طريقه إلى جيبه.
كسلا لا تحتاج إلى مزيد من الانتظار؛ تحتاج إلى نظام واضح، وشفافية في التوزيع، وعدالة يشعر بها المواطن أمام كل مضخة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى